
ناجي عجب [ترهاقا]
البريد: najiajab94@gmail.com
“الحرية أثمن من الحياة، ولذلك يضحّي الناس بحياتهم في سبيلها.”
“الدين في حقيقته حرية، وفي شريعته قيد، والناس لا يدخلون في دين الله إلا إذا عرفوا حقيقته.”
ــ محمود محمد طه
يمتلك السودان فسيفساء ثقافية واجتماعية متجذّرة في التاريخ، تجمع بين الإرث الكوشي العميق والموجات البشرية التي تعاقبت عليه عبر القرون. هذا التنوع منح البلاد قدرة فريدة على تشكيل هوية جامعة ومجتمع حيّ قادر على التجدد، لكنه في الوقت نفسه جعل السودان عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية، خاصة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة على المصالح المتنافسة.
ومع ذلك، لم تكن التدخلات الخارجية وحدها هي العامل الأخطر؛ فقد مثّل اختطاف الحركة الإسلامية للدولة السودانية اللحظة التي انحدر فيها السودان من دولة ذات إمكانات هائلة إلى ساحة تُستغل مواردها البشرية والاقتصادية لصالح مشروع عقائدي متطرف.
فمنذ انقلاب 30 يونيو 1989، الذي قاده عمر البشير بتخطيط حسن الترابي، وضعت الحركة الإسلامية يدها على كل مفاصل الدولة: الجيش، الأمن، القضاء، الإعلام، الاقتصاد، الإدارة، وحتى العقل الجمعي للمجتمع.
لم تكتفِ الحركة بتسييس الدين، بل جعلته أداة للتعبئة والتحشيد والعنف، فاستدعت تاريخًا دينيًا مقدسًا إلى ساحات الصراع السياسي. وهكذا تم إنتاج منظومات مثل الدفاع الشعبي والأمن الشعبي، وفي الحرب الحالية ظهرت كتائب البراء والكتائب الجهادية والمجموعات القبلية المسلحة التي تحمل فكر الإسلام السياسي وتمثل تهديدًا حقيقيًا ليس للسودان وحده، بل لكل الإقليم.
لقد حوّلت الحركة الإسلامية السودان إلى خزّان بشري للفكر المتطرف، وإلى مصدر لمدّ الجماعات الجهادية في المنطقة بالكوادر المدربة والعقيدة المتشددة. فأصبح دمج الدين في السياسة مدخلاً للهيمنة على المجتمعات، ومبررًا للعنف، وغطاءً لاستمرار مشروع يقوم على الإقصاء والتمكين والفساد.
إن أحد وجوه الأزمة السودانية اليوم هو فشل الدولة الوطنية بعد الاستقلال في بناء مؤسسات عادلة وراسخة، ما خلق فراغًا استغلته الحركة الإسلامية لفرض مشروعها. ولأن هذا المشروع يقوم على الولاء لا الكفاءة، وعلى العقيدة لا القانون، فقد قاد – بطبيعته – إلى الانهيار، وفتح الباب أمام تكرار الحروب الأهلية، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وتدمير الاقتصاد، وتهشيم جهاز الدولة بالكامل.
وتمثل عسكرة المجتمع إحدى أخطر نتائج وجود الحركة الإسلامية، إذ اختلطت السياسة بالميليشيات، وصار العنف جزءًا من العملية السياسية، وغُطي كل ذلك بالدين عبر خطاب “الجهاد” و“نصرة الشريعة”، ما أطال عمر الحروب وعمّق الانقسامات.
إن مواجهة هذا الإرث لا يمكن أن تتم إلا عبر تفكيك الحركة الإسلامية، ومحاسبة كتائبها، ونزع سلاح المليشيات المتحالفة معها. فالسودان لا يمكن أن يتحول إلى دولة آمنة مستقرة ما دامت هذه المنظومة تحتفظ بقدرتها على التخريب وإعادة إنتاج العنف.
ختامًا، فإن مشروع السودان الجديد ــ كما طرحه الدكتور جون قرنق دي مابيور ــ يظل الإطار الأكثر وضوحًا للخروج من دوامة الماضي: دولة تقوم على المواطنة المتساوية، تتجاوز الانقسامات العرقية والدينية والجهوية، وتؤسس لوحدة تقوم على التنوع، وعدالة تنموية، وديمقراطية راسخة، وحقوق إنسان مصانة، وفصل تام بين الدين والدولة.
إن تفكيك الحركة الإسلامية ليس مجرد خيار سياسي، بل هو الخطوة الأولى لبناء وطن يستحقه السودانيون: وطن يليق بتاريخهم، ويحترم تنوعهم، ويعيد لهم الحرية التي قال عنها محمود محمد طه إنها أثمن من الحياة نفسها.
كمبالا – 19 نوفمبر




