رأي

الانحدار إلى السافلين 

د.خالد تارس

دكتور خالد تارس 

مشكلة الإسلام السياسي أنه يضمر من الحِقد على الآخرين خارج المنظومة ماهو كارثي، وفي زمان تختلط فيه حدود المسؤولية بالاندفاع الأيديولوجي، يخرج على الناس نموذج من الكراهية صادم لكل القيم، وبهذا النموذج يبلغ الانحدار (الأخلاقي) مبلغا لا يمكن تخلية في تسميم العلاقات الدولية. بالأمس شاهدت فيديو متداول على منصات التواصل الاجتماعي يظهر الكوز طارق كيجاب يعكس رأيًا متطرفاً وخللً (عميقً) في بنية التفكير الذي أنتجته تيارات الإسلام السياسي في السودان، التفكيرٌ الذي تغذّى على ثنائية نحن وهم، واستسهل الحديث عن الإبادة (الجماعية) كما لو كانت تكتيكاً في لعبة الشطرنج.!

ولمجرد يدعو ضابط سوداني برتبة رفيعة كالعميد كيجاب النظام الإيراني إلى استهداف مصادر المياه ومحطات الكهرباء في دول الخليج، لتعطيش شعوبها وتركها فريسة للحرّ القاتله، فهو انزلاق كامل إلى خطاب الكراهية وإبادة هذه الشعوب دون رحمة، وفي هذه الحالة نحن لا نتحدث عن صراع سياسي بقدر ما نتحدث عن تحريض صريح على ضرب الأعيان المدنية وانتهاك القانون الدولي الإنساني، وفتح أبواب الجحيم على مواطنين في دول ليس بينها وبين (الكيجابيين) سوى علاقة حسن الجوار. ؟

ان أخطر مافي تصريحات العميد كيجاب أنه يكشف عن ذهنية (مريضة) لا ترى في الإنسان إلا خانه شاغرة في معادلة النصر الأيديولوجي. وعندما يتحدث الرجل عن إبادة 70% من سكان الخليج بالحر والعطش كأنها نتيجة مقبولة، فإن العالم اليوم أمام عقلٍ مجرد من كل المشاعر الإنسانية، وقد استُبدلت فيه قيم الحياة بمنطق الغاية تبرّر الوسيلة. هذا الوضع يعني لسان حال مشروع عابر للحدود لا يرى في الخراب سوى طريقٍ مختصر لتحقيق وهم الدولة (الرسالية).. وليس خطاب مؤسسة عسكرية يفترض أنها تحمي الشعوب.!

ان المفارقة الجارحة لهذا الخطاب أنه لا يهدد الآخر الخليجي بقدر ما يهدد السودانيين في الدول الخليجية التي دعى طارق كيجاب لحرق اهلها بالحر والعطش، دول الخليج تضم جاليات سودانية كبيرة، عاشت لعقود في تلك المجتمعات وأسهمت في بنائها، وتحمل معها قصص الكفاح والأمل، غالباً من بينهم أهل كيجاب. ومع ذلك، لا يتردد صاحب التحريض في الدفع نحو سيناريو كارثي قد يلتهم حتى أقرب الناس إليه، وهنا تتجلّى واحدة من أخطر سمات (التطرف) والمتعلقه بالقطيعة الكاملة مع الواقع الإنساني، والاستعداد التام للتضحية بالجميع في سبيل فكرة مجرّدة.!

ولا يمكن فصل هذا النوع من الخطاب العدائي عن البيئة التي نشأ فيها. فبعض التيارات الإسلاموية في السودان، خصوصاً المرتبطة بمشروع العالمية الأيديولوجية، غذّت عبر سنوات طويلة ثقافة (الاستعلاء) الأخلاقي واحتكار الحقيقة. في هذه البيئة تحديدا يصبح المختلف خصماً وجودياً، وتتحول السياسة إلى معركة صفرية لا مكان فيها للتعايش والتسويات. ومن هنا، فإن الدعوة لإشعال الحروب في أطراف المنطقة ليست انحرافاً طارئًا وانما امتداد منطقي لعقلية ترى في الفوضى فرصة للانشار والهيمنه، وفي الدمار وسيلة لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها الضيقة.!

ان ردود الفعل الإقليمية على تصريحات العميد كيجاب، وعلى رأسها الموقف السعودي الذي طالب بتوضيح رسمي بحسب المعلومات، فهي تعكس حجم القلق من هذه التصريحات التي تقوّض أسس العلاقات الدولية وتهدد الأمن القومي في الخليج. وحين يصدر هذا الخطاب من شخص يرتدي زياً عسكريًا، فإن الرسالة تتجاوز حدود الرأي الشخصي إلى صورة الدولة نفسها، وتطرح أسئلة حرجة حول طبيعة المؤسسات التي تسمح بتسرّب هذا القدر من التطرف إلى داخلها.؟

إن أخطر ما في خطاب الكراهية الذي تسوق له شخصيات مريضة كالعميد كيجاب ليس في الكلمات المليئة بالغل والحقد. ولكن في قدرته على التمهيد للفعل الاجرامي، لان التاريخ مليء بأمثلة بدأت بخطب تحريضية وانتهت بكوارث إنسانية قاسيه. لذلك، فإن التعامل مع هذه التصريحات الهدامة يتطلب مراجعة جذرية للخطاب السياسي والديني الذي يُنتجها، وإعادة الاعتبار لقيم السلام والعيش (المشترك).. ولا يمكن بناء مستقبل مستقر على أنقاض الكراهية الأيديولوجية. وأي مشروع مهما ادّعى (القداسة) لايمكن أن يكتسب شرعية بالدعوة إلى حرق البشر وتعطيشهم لمجرد ان بلدانهم لا تدعم توجهات النظام الاسلامي في إيران.!

إن إنقاذ المنطقة من دوامات العنف الأيديولوجي يبدأ بتفكيك الذهنيات (الراديكالية)، وكشف زيفها وإعادة حق الإنسان في الحياة إلى مركز المعادلة. هنا فقط، يمكن للسياسة أن تستعيد معناها الحقيقي، وأن تعود الممارسة أدوات بناء للعلاقات الدولية ومد جسور التواصل بين الشعوب لا معاول هدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!