رأي

الرباعية في لحظة مفصلية: ضغوط السلام تواجه إرث الإسلاميين والمؤسسة العسكرية الكيزانية

سليم محمد عبدالله

 

سليم محمد عبدالله 

تشهد الساحة السودانية تحولاً لافتاً مع تصاعد الاهتمام الدولي والإقليمي بالأزمة، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، والتي أعادت صياغة المقاربة المشتركة بين الرياض وواشنطن تجاه الحرب الدائرة منذ أبريل 2023. فقد بدت العاصمتان أكثر ميلاً لاعتماد نهج أكثر حسماً لإيقاف النزاع، بالتزامن مع إعادة فتح ملف الدور السياسي والعسكري للإسلاميين والمؤسسة العسكرية الكيزانية، بوصفهما جزءاً من التعقيدات البنيوية التي تراكمت داخل الدولة قبل انفجار الحرب.

وخلال مباحثات واشنطن، طرح ولي العهد السعودي رؤية واضحة مفادها أن استمرار الفراغ السياسي في السودان يمثّل خطراً مباشراً على الاستقرار الإقليمي، وأن غياب مؤسسات دولة فاعلة يترك البلاد عرضة لتمدد مراكز نفوذ غير رسمية تمتلك القدرة على إطالة أمد الحرب. وقد وجدت هذه الرؤية استجابة لافتة من الجانب الأمريكي، الذي بدا مستعداً لمنح السعودية دوراً محورياً في قيادة مسار جديد للسلام، مستفيدة من علاقاتها المفتوحة مع القوى السودانية المختلفة.

هذا التوافق السعودي الأمريكي انعكس فوراً على نشاط المجموعة الإقليمية الدولية المعروفة بدورها في الملف السوداني، والتي تقودها السعودية والولايات المتحدة وتشارك فيها الإمارات ومصر. وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن هذه المجموعة باتت تميل إلى استخدام أدوات ضغط أكثر وضوحاً على الأطراف المتصارعة، بهدف خلق بيئة سياسية يمكن من خلالها الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم وإطلاق عملية سياسية شاملة.

وفي المقابل، ما تزال الاتهامات الموجهة لبعض التيارات الإسلامية والمؤسسة العسكرية الكيزانية تشكّل أحد محاور النقاش الساخنة داخل السودان. فوفق رؤية قطاع واسع من القوى السياسية، ساهم الخطاب التعبوي الحاد لهذه التيارات قبل اندلاع الحرب في رفع مستوى الاحتقان السياسي والاجتماعي، إذ انتقل التوتر من المنابر السياسية إلى مراكز القرار داخل الدولة، خاصة في ظل استمرار نفوذ عناصر مرتبطة بالنظام السابق داخل الجهازين العسكري والإداري. ورغم نفي الإسلاميين لأي دور في الدفع نحو الحرب، فإن هذه الاتهامات أصبحت جزءاً من الذاكرة السياسية السودانية التي يصعب تجاوزها عند تحليل مسار الأحداث.

ومنذ بداية الحرب، أظهر الإسلاميون والمؤسسة العسكرية الكيزانية خطاباً متقلباً؛ بدأ بمواقف شديدة الصدام مع الخصوم، ثم تحوّل في الأسابيع الأخيرة إلى نبرة أكثر ميلاً للحديث عن السلام والاستقرار. ويرى مراقبون أن هذا التحول ليس مراجعة فكرية بقدر ما هو محاولة لإعادة التموضع في لحظة سياسية يعاد فيها تشكيل ميزان القوى تحت ضغط دولي متزايد، خاصة أن أي عملية سياسية مقبلة قد تعيد توزيع النفوذ داخل الدولة بما يحدّ من حضورهم في المؤسسات الرسمية.

أما على المستوى الشعبي، فإن ذاكرة الحرب وما حملته من خسائر هائلة جعلت قطاعات واسعة من السودانيين أكثر حساسية تجاه أي عودة للتيارات المرتبطة بفترة ما قبل الثورة أو بالمؤسسة العسكرية الكيزانية. فقد تراكمت قناعة بأن السلام المستدام يتطلب إعادة ترتيب شاملة للهياكل السياسية والأمنية التي ساهمت في الانقسام. كما يلوح في الأفق احتمال تصاعد موجة احتجاجات جديدة إذا شعر الشارع بأن هناك أطرافاً تتعمّد إبطاء مسار التسوية.

ومع كل هذه التعقيدات، تجد المجموعة الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوداني نفسها أمام ضرورة التوفيق بين الضغط وتوفير الضمانات. فهي تدرك أن أي اتفاق لن يكون قابلاً للتنفيذ ما لم تُعالَج جذور الأزمة، بما في ذلك نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة. وبينما تدفع السعودية نحو خطوات عملية سريعة، تبدي واشنطن استعداداً لزيادة الضغط السياسي والاقتصادي إذا اقتضت الضرورة، في وقت تسعى فيه الإمارات ومصر لمنع تمدد آثار الحرب نحو الإقليم.

وهكذا يقف السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في مسار سلام شامل تدعمه هذه المجموعة بقوة، أو البقاء داخل دائرة صراع مفتوح إذا فشلت القوى المؤثرة، بما فيها الإسلاميون والمؤسسة العسكرية الكيزانية، في تجاوز الحسابات القديمة. وفي ظل الضغط الدولي ورغبة الشارع في إنهاء الحرب، تبدو اللحظة سانحة لتحوّل حقيقي… إن تم التقاطها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!