
إيمان التجاني
ليس العلم ما حُفِظ بل ما نفع
حين تتأمل خرائط الوعي الإنساني عبر العصور تدرك أن المعرفة وحدها لم تمنح الإنسان السلام ولا التكنولوجيا وحدها صنعت له العدالة ولا كثرة المتعلمين أنتجت بالضرورة مجتمعاً راقياً هناك نقص خفي يتسلل إلى روح الأمم لا يراه الناس في المقررات الدراسية ولا في الشهادات المعلقة على الجدران إنه ضمور الضمير
فالعقل يمكن أن يتضخم بالمعارف بينما تظل البصيرة جائعة وقد استطاعت البشرية أن تشيد مؤسسات التعليم لكنها فشلت في تأسيس مدرسة واحدة للوعي الأخلاقي تلك المدرسة التي يتخرج فيها الإنسان لا الموظف والمواطن لا المستفيد والفاعل لا المتفرج
لقد تعلم الناس كيف يديرون المؤسسات لكن قلما تعلموا كيف يديرون ضمائرهم وتعلموا آليات النجاح لكن لم يتعلموا قيمة النزاهة وحفظوا قواعد اللغة لكنهم لم يتعلموا لغة الصدق وعرفوا قوانين الحركة لكنهم لم يعرفوا قوانين العدالة وهكذا ظهر جيل واسع يملك أدوات المعرفة لكنه لا يملك بوصلة الأخلاق
من لم يبن في داخله محكمة ضميره ستطارده محاكم الآخرين
في عمق المشكلات الأخلاقية اليوم يكمن فشل تربوي ممتد عبر أجيال تغلب فيه التعليم الشكلي على التربية الجوهرية لقد تم اختزال التعليم في الامتحان والنجاح في الدرجة والتفوق في الوظيفة حتى أصبح الطالب يتعلم كيف ينتقل من صف لآخر لا كيف ينتقل من مرحلة الوعي إلى مرحلة النضج
فالمدرسة لا تمنح الإنسان معنى والجامعة لا تزرع فيه قيما إذا لم تكن البيئة كلها من الأسرة إلى الإعلام قادرة على تشكيل الضمير بطريقة تلامس الحياة اليومية وإذا غابت القدوة ماتت الأخلاق وإذا غابت العدالة انكسرت الروح وإذا غاب الإحسان تراجع الإنسان إلى ما دون طبيعته الأولى
ليست الأخلاق خطاباً يعبر فوق رؤوس الناس ولا وعظاً موسمياً ينتهي بانتهاء المناسبة إنها ممارسة متراكمة تشبه نبض القلب لا نراه لكنه يحفظ الحياة وحين تغيب الأخلاق عن بيئة العمل يصبح الطمع ذكاء وحين تغيب عن المجتمع يصبح الكذب مهارة وحين تغيب عن السلطة يصبح الظلم سياسة
إن الضمير الذي لا يغذى بالصدق يفقد حساسيته والضمير الذي لا تصقل مرآته بالمحاسبة تنطفئ فيه قدرة التمييز وهكذا تتحول الأخلاق من فطرة نقية إلى ذاكرة باهتة
قيمة الإنسان بما يمنحه لا بما يملكه
إن الحاجة اليوم ليست إلى إضافة المزيد من العلوم بل إلى إضافة المزيد من الإنسان داخل العلم نحتاج إلى تعليم يعيد الاعتبار للنية وللفعل المسؤول وللحياء وللتسامح وللقدرة على رؤية الآخر بوصفه شريكاً في الوجود لا منافساً في البقاء
التربية الأخلاقية ليست مادة تدرس بل بيئة تعاش تبدأ من احترام الطفل وتنمو مع حرية السؤال وتبنى عبر العدالة في البيت والمدرسة وتتأكد حين يرى الإنسان القانون يطبق بلا انتقاء والقيمة تكافأ بلا مجاملة
وعندما يربى الإنسان على التفكير النقدي وعلى الاعتراف بالخطأ وعلى احترام الزمن وعلى التواضع أمام الحقيقة فإنه ينضج من الداخل قبل أن يتخرج إلى الخارج وهنا فقط يولد الضمير الحي الذي يعرف أن الخير ليس واجباً اجتماعياً بل اختياراً إنسانياً
الخروج من الجهل الأخلاقي ليس مشروعاً تعليمياً فحسب بل مشروع نهضة إنه عملية إحياء بطيئة لكن ثابتة للجمال والعدالة والحكمة داخل الإنسان فالأمم لا تنهض بكثرة المدارس بل بنوعية العقول والقلوب التي تخرج منها ولا تقوم الحضارات على وفرة المعلومات بل على صدقية الضمائر التي تديرها
وحين يلتقي العقل المستنير مع القلب السليم يبدأ الإنسان أخيراً برؤية العالم كما ينبغي مكاناً صالحاً للكرامة لا ساحة صراع من أجل البقاء




