رأي

لا تُفسدوا بهجة شعبنا بتباشير السلام أيّها الإخوان

د.فاطمة الزين الغالي .. كاليفورنيا

 

د. فاطمة الزين الغالي .. كليفورنيا

لم يكن شعب السودان قريبًا من السلام خلال العامين الماضيين كما هو الآن. فالتطورات الأخيرة على المستوى الدولي والإقليمي – بدءًا من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي، وما أعقبه من تحركات أمريكية عاجلة – جعلت أبواب الأمل تنفرج من جديد أمام ملايين السودانيين الذين طحنتهُم الحرب حتى العظم. وما إن خرجت الأنباء عن توجيهات الرئيس الأمريكي لوزارة الخارجية ومبعوثه الخاص لتفعيل آليات وقف الحرب، حتى شعر الناس بأن العالم بدأ أخيرًا يصغي لصرختهم التي اختفت طويلًا خلف دخان المدافع.

لكن، وكما هي العادة، كان الإخوان المسلمون في السودان – تلك الجماعة التي لا تعيش إلا على الأزمات – أول من شعر بأن رياح السلام تهدد مشروعهم في إعادة السيطرة على الدولة. فمنذ اليوم الأول للحرب، تعامل الإخوان مع المأساة الإنسانية باعتبارها «فرصة ذهبية» لاستخلاص مكاسب سياسية، ولم يترددوا في تحويل المدن المنكوبة والملايين المشرّدين إلى أدوات للعودة إلى الحكم، حتى لو تطلب ذلك إغراق البلاد في الفوضى لسنوات أخرى.

إن ما يجري الآن في بورتسودان ليس مجرد إدارة أزمة، بل هو خطف كامل لقرار الدولة بواسطة جماعة تعمل ليل نهار لإدامة الحرب وإفشال كل مبادرة لوقفها. ولعلّ أخطر ما تكشف في الأسابيع الأخيرة هو تورّط رموز الإخوان في تفاهمات مع إيران عبر الحوثيين، ومنحهم – حسب تقارير موثوقة – قاعدة بحرية في البحر الأحمر تُستخدم لأهداف استراتيجية تتجاوز السودان نفسه. إنها مغامرة عمياء تهدد أمن الإقليم بأكمله، وتُظهر أن الجماعة مستعدة لحرق البلاد مقابل مقعد في سلطة لا تزال تتوهم أنها قادرة على استعادتها.

لقد أفشل الإخوان مبادرة جدة في أشهرها الأولى، ونسفوا مباحثات جنيف قبل أن تكتمل، وحرّضوا ضد مسار المنامة حتى تعطل. واليوم، يعيدون الكرة ذاتها مع المبادرة الأمريكية الجديدة؛ يبثون الشكوك، ينشرون الخرافات، ويضغطون على كل موقع قرار في بورتسودان من أجل دفع البرهان إلى تبني خطابٍ تصعيدي يقطع الطريق أمام أي هدنة أو تفاوض. وما خطاب البرهان الأخير في القطينة – وهو يعلن أنه «لا سلام» وأن الحرب «يا كملونا يا كملناهم» – إلا امتداد مباشر لهذا النفَس الإخواني الذي لا يرى في السودان سوى ساحة لتصفية الحسابات القديمة.

إن الجماعة التي ورّطت السودان في ثلاثين عامًا من العزلة لا تزال تُصرّ على المنهج ذاته: التحالف مع قوى خارجية، استخدام الدين لتبرير السلطة، وخلق عدو وهمي لتبرير استمرار الحرب. وها هي اليوم تدفع البلاد نحو محور جديد بقيادة إيران، في الوقت الذي تتوحد فيه الرباعية – السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة – على رفض أي دور للإخوان أو حلفائهم في مستقبل السودان. إن تمترس الجماعة خلف خطاب العداء للسلام ليس سوى محاولة يائسة لوضع يدها على مفصل الدولة قبل أن تُغلق نافذة الحرب إلى الأبد.

لكن ما الذي يجنيه الشعب من هذه الحسابات الضيقة؟ لا شيء سوى استمرار النزوح، واتساع رقعة الجوع، وتفكك ما تبقى من مؤسسات الدولة. بينما يواصل الإخوان الاستثمار في الدماء، يظل ملايين السودانيين معلقين بين السماء والأرض، يأملون في هدنة تتيح لهم العودة إلى بيوتهم، أو على الأقل توقف نزيف الأرواح الذي لا ينقطع.

لقد آن الأوان أن نقولها بصوت عالٍ: الإخوان هم العقبة الأكبر أمام السلام في السودان اليوم. ليس لأنهم يختلفون سياسيًا مع الآخرين، بل لأنهم – ببساطة – لا يستطيعون أن يعيشوا في وطنٍ يسوده الاستقرار. فاستقرار السودان ينهي سرديتهم، ويقفل الأبواب التي يدخلون منها، ويمنعهم من إعادة تدوير مشروعهم الذي أسقطه الشعب مرةً ولن يسمح له بالعودة ثانية.

إن الشعب السوداني كله، من دارفور إلى الجزيرة إلى الشرق والشمال، يتطلع إلى السلام. والرباعية الدولية التي أسندت المبادرة الجديدة تمتلك لأول مرة موقفًا واضحًا وصلبًا تجاه الجماعة التي أهدرت موارد الدولة وأشعلت حروبها. لكن مسؤولية حماية اللحظة التاريخية هذه تقع أيضًا على القوى المدنية، وعلى كل من يرفض اختطاف القرار الوطني لصالح مشروع عقائدي متهالك.

يا جماعة الإخوان:

كفى عبثًا بالسودان، وكفى مراكمة للأحقاد، وكفى توظيفًا لدماء شباب هذا الوطن من أجل طموحاتكم السياسية.

لا تُفسدوا بهجة شعبٍ بدأ يلمح ضوءًا في آخر النفق. دعوا البلاد تلتقط أنفاسها، دعوا مبادرات السلام تأخذ مسارها، دعوا الأطفال ينامون في بيوتهم بلا خوف، ودعوا الوطن يستعيد روحه التي قتلتموها مرارًا.

لقد تعب السودان منكم.

والتاريخ، مهما طال الليل، سيكتب أن السلام انتصر… وأن الإخوان، رغم كل محاولاتهم، لم يستطيعوا أن يخنقوا فجر السودان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!