
عبد المنعم سليمان
ظهر قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، بمبادرةٍ لوقفٍ إنساني لإطلاق النار لثلاثة أشهر، مقترحاً آلية مراقبة بإشراف الرباعية والاتحاد الإفريقي والإيقاد، في خطوة محسوبة جاءت بعد يوم واحد فقط من هجوم عبد الفتاح البرهان على مبادرات الرباعية والمساعي الأميركية.
كان توقيت الخطاب وحده كافياً ليُظهر أن مبادرة حميدتي ليست عرضاً تقنياً لوقف العدائيات، بل تحركاً سياسياً في لحظة شديدة الحساسية من الصراع.
بدت لغة حميدتي مشغولة بتقديم نفسه طرفاً منضبطاً، قابلاً للرقابة الدولية، ومتمسكاً بمبدأ المساءلة “وفق القوانين الوطنية والدولية”، مؤكداً أن الانتهاكات لن تمر بلا عقاب. ليست هذه اللغة عرضية؛ إنها جزء من محاولةٍ مقصودة لبناء صورة مغايرة لصورة الجيش، صورةٍ تستند إلى خطاب القانون والمسؤولية والانفتاح على الشركاء الدوليين.
تزامن ذلك مع إعلان لجنة التحقيق التابعة لحكومة (تأسيس) عن أوامر قبض بحق أعضاء في (حكومة بورتسودان)، منهم: البرهان والعطا وكبر وآخرون في ملف الفاشر، وهو ما أتاح لمعسكر تأسيس منصة قانونية تعزز سرديته في مواجهة رواية الجيش.
في المقابل، أعاد البرهان طرح خطابٍ ينأى عن الحلول الدولية ويهاجم مقترحات الرباعية، ليتلقى مزيداً من الاتهامات بأنه يقترب من الحركة الإسلامية التي تُستدعى إليه كلما ارتفع سقف خطابه في وجه الوسطاء الخارجيين.
هذا التباين جعل مبادرة حميدتي تبدو جزءاً من معادلة سياسية أعلى، ومحاولة لإعادة ترسيم ميزان القوة عبر خفض النبرة العسكرية مقابل رفع سقف الانفتاح السياسي.
وتتحرك قوى “تحالف تأسيس” على الإيقاع ذاته، رابطـةً إنهاء الحرب بتصنيف الإخوان تنظيماً إرهابياً، ودافعةً باتجاه ترسيخ أدواتها القانونية – مثل لجان التحقيق – لإعادة توزيع الشرعية في مشهد تختلط فيه السياسة بالمساءلة.
وبذلك، تبدو مبادرة حميدتي جزءاً من عملية إعادة تموضع مدروسة، عبر اعتماد خطاب يزاوج بين الهدنة والانفتاح الدولي والمحاسبة، في مقابل خطاب البرهان الذي يميل أكثر إلى المواجهة مع الوسطاء وإعادة تدوير موقع الحركة الإسلامية داخل المشهد العسكري.
لكن المؤكد أن إعلان قائد الدعم السريع وقفَ إطلاق النار من جانب واحد، والبدء في تنفيذ الهدنة الإنسانية المقترحة من قبل الرباعية، يمثل الموقف الأعلى سياسياً وإنسانياً، في وقتٍ يصطف فيه قائد الجيش مع الإسلاميين الذين يربطون وقف الحرب بعودتهم إلى السلطة من جديد.
في النهاية، تقف البلاد بين خطابين: أحدهما يلوّح ببابٍ مفتوح نحو هدنة ومسار دولي للمحاسبة، والآخر يعيد إنتاج لغة البندقية والتحالفات القديمة. وما بين هذين الطريقين، سيُحسم مستقبل الحرب لا بما يُقال أمام الكاميرات، بل بما يحدث على الأرض، حيث ينتظر السودانيون سلاماً لا يشبه بيانات السياسيين، بل يشبه حقهم البسيط في البقاء.




