رأي

مقال الخميس… هل هذا.. جيش الوطن؟!

د.عمر القراي

 

(وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) صدق الله العظيم

د. عمر القراي

لقد ضجت الاسافير، ونشطت الغرف الإعلامية للإخوان المسلمين، واتباعهم من الفلول، تدعو الشعب للخروج في يوم السبت 13 ديسمبر، ليفوض الجيش ليستمر في الحرب!! وليس غرض الإخوان دعم الجيش، وإنما غرضهم اقناع الجيش والعالم، بأن لديهم وجود ضخم، ويستطيعون ان يحركوا الشعب لما يريدون، فلو جازت هذ الكذبة، يضمنون موقعاً لأنفسهم، في الوضع الجديد، الذي يحدث بعد وقف الحرب. ولكن الشعب السوداني فاجأ الإخوان المسلمين، مرة أخرى، حيث قاطع مهزلة تفويض الجيش فأفشلها، وعلقت بعض الجهات المراقبة (فشل تظاهرة دعت لها الحركة الإسلامية وسط مقاطعة شعبية ولجوء غرفها الإعلامية لفبركة صور وفيديوهات قديمة للتضليل… وبحسب مشاهد ميدانية ومتابعات محلية خلت مواقع الدعوة من الحشود المتوقعة ما عكس عجز منظمي التظاهرة من حشد الشارع في مؤشر واضح على تراجع التأييد الشعبي للخطاب المرتبط بالحرب واستمرارها) (وسائل التواصل). لقد اعادت هذه الحادثة للأذهان، ما حدث بعد ثورة ديسمبر المجيدة، حين حاول الإخوان المسلمون مقاومة حكومة الثورة، ودعوا الى مظاهرة ضخمة لإسقاطها، خرجت أيضاً في يوم سبت، سموه يوم (الزحف الأخضر)، فجاء موكباً هزيلاً، وسماهم الثوار (الزواحف)!!

وقبل أن نفوض الجيش، يجب علينا أن نسأل أنفسنا: هل هذا الجيش هو جيش الوطن، أم جيش الحركة الإسلامية؟! أما البرهان فقد نفى علاقة الجيش بالحركة الإسلامية أكثر من مرة، وقال في فيديو أخير (منو القال الإخوان المسلمين مسيطرين على الجيش؟ دي سردية نحن كلنا بنستغرب ليها.. اخوان مسلمين وين؟ قاعدين في الجيش السوداني دا؟ّ! نحن ما عارفنهم، بنسمع الكلام دا في الوسايط الإعلامية هناك.. الجيش مسيطرين عليه الاخوان المسلمين.. الدولة مسيطرين عليها الاخوان المسلمين.. وين الكلام دا؟ في روسينن بس موجود.. دي رواية بكرروها.. رواية بكرروها عشان يدخلوا الكلام دا في روسين الناس.. وفزاعة عملوها للأمريكان، وعملوها لإخوانا المصريين، ولإخوانا السعوديين، ان الجيش مسيطرين عليه الاخوان المسلمين.. نحن بنقول ليهم تعالوا فرزوا لينا هنا الاخوان المسلمين ديل، شكلهم كيف؟ لونهم كيف؟ القاعدين معانا مسيطرين على الجيش، ولّا المسيطرين على قرارنا.. دا طبعاً نحن بنقوله عشان العالم يسمع ان هذا الكلام غير صحيح.. وهذا الكلام كذب.. وهذه فزاعة بقولوها)!! ولم يحتج حديث البرهان، الى رد من القوى المدنية، التي اشارت الى سيطرة الاخوان على الجيش، وإنما جاءه الرد من الإخوان المسلمين أنفسهم!! فقد تحدث السيد احمد عباس، القيادي بالحركة الإسلامية، ووالي سنار في عهد حكومة الإخوان المسلمين، التي اسقطها الشعب بثورة ديسمبر المجيدة، تحدث في تسجيل فيديو، فقال: (الحركة الإسلامية ما يعملوها زي بعبع كدا أو فزاعة، كلما جاءت حاجة يقولوا دي الحركة الإسلامية.. نحن ما شغالين بالدس، وما شغالين مستجدين زول، نحن خمسة وسبعين في المية، من الذين يقاتلون الآن، هم جابتهم الحركة الإسلامية، وهم الآن موجودين في كل انحاء السودان!! ما تفتكروا ان نحن ما عندنا كلام مع الحكومة، عندنا معاها كلام، ولا داسنو، متفاهمين معاها، لانه في النهاية هي عارفة أنه انا الساندها، وهي عارفة انه أنا الجايب ليها الناس، وهي عارفة هو وقت يتضايق حتى في علاقته الخارجية، بجينا نحن نحلها ليهو)!!

والحقيقة أن هذا الجيش لا يشبه الشعب السوداني، ولكنه يشبه الإخوان المسلمين، لأنه جيش جبان!! فهو يقتل المواطنين العزل الأبرياء، يقذفهم بالبراميل المشتعلة، وبالغازات والسوائل الكيميائية، المحرمة دولياً. وإذا دخل في منطقة انسحب منها الدعم السريع، يقتل المواطنين البسطاء، وستات الشاي، ويحاكمهم بالإعدام، بحجة التعاون مع الدعم السريع!! ومؤخراً ظهر “كيكل” في فيديو، وقال إنهم سيقتلون أي شخص ينزح من مكانه!! فإذا بقي المواطن قُتل بتهمة التعاون مع الدعم السريع، وإذا خاف، وحاول أن ينزح من منطقة الحرب، يقتل بتهمة الهروب من المعركة؟ فهل لهؤلاء عدو غير المواطن السوداني؟!

وبعد ان ملأوا الدنيا تكبيراً وتهليلاً وصيحات بالجهاد، وأنهم سيحققون احدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. وأن حربهم حرب كرامة من أجل الوطن، خرج علينا البرهان بعد سقوط هجليج في يد الدعم السريع ليقول (انسحبنا من هجليج حفاظاً على أرواح جنودنا وعدم تدمير منشآت البترول)!!

والجيش لم ينسحب من هجليج كعمل تكتيكي، ينحاز به الى مجموعة، ثم يعاود الهجوم مرة أخرى، وإنما فر هارباً حفاظاً على أرواح جنوده، كما أخبرنا البرهان، حتى دخل قائده ومعه حوالي ألف جندي، الى دولة جنوب السودان!! وهذا الفرار لا يسمى انسحاباً، خاصة عند أدعياء تطبيق الشريعة الإسلامية، الذين يستغلون شعارات الدين عندما تخدم أغراضهم، وإنما هو “تولي يوم الزحف” قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وفي الحديث (عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات).

أما بحسب القوانين واللوائح العسكرية، فإن مغادرة مسرح العمليات، بل ومغادرة الوطن نفسه، والوصول الى دولة اجنبية، مع ترك المواطنين خلفك، يعتبر فراراً من أرض المعركة، واخلالاً بواجب الدفاع عن أرض الوطن، وهي مهمة الجيش الأساسية، مما يعد جريمة ترقى الى الخيانة العظمى. فهذا الجيش خائن للشعب السوداني فكيف يكون جيش الوطن؟!

وجيش الحركة الإسلامية، رغم دعاويه العريضة، من أكثر الجيوش جبناً، وفراراً، فهذه ليست المرة الأولى التي هرب فيها، اثناء هذه الحرب، بل فعل فعلته المشينة، أكثر من عشر مرات:

ـ في مايو 2023م وبمجرد اندلاع الحرب هرب 4000 ضابط من الجيش الى مصر من الخرطوم مع النازحين.

ـ في 18 يونيو 2023م هرب الجيش من حامية ام دافوق في جنوب غرب دارفور الى دولة افريقيا الوسطى.

ـ في أكتوبر 2023م هرب الجيش بقيادة جودات من نيالا الى دولة جنوب السودان.

ـ في نوفمبر 2023م هربت فرقة الجنينة الى تشاد.

ـ في نوفمبر 2023م هربت فرقة الضعين الى دولة جنوب السودان.

ـ في يوليو 2024م هرب اللواء 92 من حامية الميرم الى دولة جنوب السودان.

ـ في يوليو 2024م هرب الجيش من الدالي و المزموم الى دولة جنوب السودان.

ـ في 2 ديسمبر 2024م هرب الجيش من منطقة التبون بالنيل الأبيض، الى دولة جنوب السودان

ـ في 2 ديسمبر 2024م هرب الجيش من بوط الى اثيوبيا.

ـ 11 يونيو 2025م هرب الجيش الى مصر، بعد ان احتل الدعم السريع مثلث العوينات.

ـ 2 ديسمبر 2025م هرب الجيش من بابنوسة الى دولة جنوب السودان.

ـ 8 ديسمبر 2025م هرب الجيش اللواء 90 من هجليج الى دولة جنوب السودان.

وبالرغم الهزائم المتكررة، وتولي الادبار، كان الجيش هو الجانب المتعنت، الذي يرفض التفاوض، ويتهرب من محادثات السلام. وهذا عندنا، من أكبر الأدلة، على أنه ليس جيش الوطن، وإنما هو جيش الحركة الإسلامية. فلو كان هذا الجيش، جيش الوطن، لشعر بآلام المواطن، الذي ارهقته الحرب، وقتلت ابناءه، وشردت نساءه واطفاله، واذاقته مرارة الجوع والخوف والمرض. وكان البرهان، وقادة الجيش من اتباع الحركة الإسلامية، يرفضون أي جلوس مع الدعم السريع. ويقولون انه متمرد، ولن نجلس اليه، ونتفق على أي شيء، إلا اذا سلم سلاحه، وخرج من المناطق التي سيطر عليها. ولقد هاجم اعلام الاخوان المسلمين، كل من يدعو الى وقف الحرب، واتهم القوى السياسية بالعمالة والخيانة، لأنها دعت الى التفاوض، ووقف الحرب.

على أن هذا الموقف، تغير عندما سقطت هجليج، وفر الجيش. فقد افاد الناطق الرسمي عن حكومة دولة جنوب السودان، في مؤتمر صحفي، عن الاتفاق الذي تم بين البرهان وحميدتي وسلفاكير، للمحافظة على منطقة هجليج، واستمرار ضخ النفط. على أن ينسحب الدعم السريع، وتدخل قوات من دولة جنوب السودان، وتتولى حفظ وتشغيل البترول. ثم يشترك الثلاثة في عائدات النفط. لماذا لم تقبل حكومة البرهان بهدنة لإيصال المساعدات الانسانية للجوعى، وقبلت باتفاق منطقة هجليج؟ لماذا رفضت التفاوض مع الدعم السريع حول إيقاف الحرب، حتى يوقف قتل المواطنين، وقبلت أن تتفاوض معه، حول توزيع عائدات النفط بعد أن اجلاها عن هجليج؟! ألا يعني هذا أن جيش البرهان، يقدر الأموال أكثر من دماء المواطنين؟ ألا يعني أن قادة الجيش من الإسلاميين، يريدون الأموال لأنفسهم، وليس للوطن؟! وهل الجيش الذي لا يحفل بشعبه، ويحفل بثراء قادته، هو جيش وطني؟! وكيف يمكن لجيش غير وطني، ان يقود حرب من أجل كرامة الوطن؟!

18 ديسمبر 2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!