
إيمان التجاني
يستمر الدمار في السودان بوتيرة مريعة، حيث يعاني المدنيون من تبعات الحرب التي أودت بحياة الآلاف، وشردت الملايين داخل البلاد وخارجها. لقد طالت يد النزاع المستمر البنية التحتية للمستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء والاتصالات، بينما تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بشكل غير مسبوق، حتى أصبح من المستحيل تزييف الحقائق أو التهرب من مسؤولية الأطراف المنخرطة في النزاع.
لقد أظهرت هذه الحرب بوضوح هشاشة الدولة، وسيطرة قوى عسكرية وسياسية على مفاصلها، ما أدى إلى تفكيك مؤسساتها الوطنية وتفويت ثرواتها على مصالح الشعب لصالح جهات معينة، سواء داخلية أو خارجية. وكل محاولة لعرض السلام بشكل جزئي أو مؤقت تصطدم برغبة تلك القوى في استمرار الحرب كوسيلة للحفاظ على النفوذ، بينما تتحمل جماهير السودان كلفة المعاناة اليومية.
التورط الكامل للجيش المختطف من جماعة الإخوان المتأسلمين في هذه الحرب يضع البلاد أمام مأزق مزدوج: إذ لم يعد الجيش مجرد قوة دفاع، بل أصبح طرفًا نشطًا في النزاع، مشاركًا في الاستيلاء على الموارد ونهب ثروات الوطن، ومعطلاً أي مسار حقيقي للسلام. كما تضاف إلى ذلك القوى الموالية التي تسعى لاستغلال الصراع لتحقيق مكاسب خارجية، من خلال محاولات التورط في تحالفات إقليمية وعالمية دون مراعاة لحقوق الشعب السوداني وسيادته.
إن استمرار هذه الحرب يهدد استقرار السودان الإقليمي والدولي، ويعطل أي فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس عادلة وديمقراطية. فوقف إطلاق النار لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإفساح المجال أمام التوافق الوطني، واستعادة مؤسسات الدولة، وإعادة تنظيم الجيش ومؤسسات الأمن بعيدًا عن سيطرة جماعات سياسية متنفذة.
كما يجب أن يكون بناء دولة جديدة الهدف المركزي، دولة قادرة على معالجة الاختلالات التاريخية التي صاحبت الدولة منذ تأسيسها على يد وكلاء الاستعمار، ونظام الأوليغارشية الذي هيمن على مفاصلها، واستعادتها إلى خدمة الشعب. دولة تقوم على العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، وضمان الحقوق الأساسية لكل المواطنين، من تعليم وصحة وبنية تحتية، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية أو النفوذ الخارجي.
إن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا عبر وقف الحرب، وإحلال الحوار الوطني، وتأسيس مؤسسات قوية مستقلة، قادرة على حماية حقوق الشعب ومصالحه، دون الإخلال بوحدة الدولة أو تمكين قوى نهب السلطة. وعلى كل القوى السياسية والعسكرية الالتزام بهذا المسار، لأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى والمآسي الإنسانية، بينما الشعب السوداني يستحق حياة كريمة ومستقرة، ودولة عادلة تحميه من كل أشكال الظلم والاستغلال.
السودان اليوم يحتاج إلى قرار جماعي لإيقاف آلة الحرب، وإعطاء الأولوية للسلام، وإطلاق مشروع وطني لبناء دولة جديدة، حقيقية ومستقلة، تعيد الوطن لأهله، وتحوّل معاناتهم إلى بداية حقيقية لإصلاح شامل.




