
د.خالد النيل جمعة سهل
طرحت وزارة الثروة الحيوانية مؤخراً مقترحاً طموحاً يحمل اسم مدن الإنتاج الحيواني، يهدف إلى تجميع وتكثيف الثروة الحيوانية في مراكز إنتاجية حديثة ومغلقة لزيادة الكفاءة والإنتاجية. ورغم إن المقترح ينطلق من دافع تحديث القطاع، إلا أن الرؤية العلمية والاقتصادية تشير إلى خلل بنيوي في هذا التوجه؛ إذ يتبنى نموذجاً يستند إلى حصر الإنتاج وتكثيفه ، متجاهلاً الطبيعة البيئية والديموغرافية للبلاد.
في هذا المقال نناقش كيف أن تطوير القطاع الرعوي التقليدي في بيئته الطبيعية هو الخيار الأكثر استدامة وجدوى، مستندين إلى حجج اقتصادية، بيئية، وشواهد دولية تفوق بمراحل نموذج مدن الانتاج .
أولاً: الخلل الجغرافي والسياسي (تنمية الهامش والمخاطر على التماسك الاجتماعي)
أبرز المآخذ العلمية والسياسية على مقترح مدن الإنتاج الحيواني هو معالجته الجغرافية غير المتوازنة للموارد:
• تجاهل معاقل الإنتاج الرئيسية: يركز المشروع بشكل أساسي على مناطق هامشية في الإنتاج أو ولايات محددة قريبة من المراكز الحضرية الكبرى لتسهيل العمليات اللوجستية، بينما يتجاهل تماماً الأقاليم الأساسية الحاضنة للكتلة الحرجة من الثروة الحيوانية (مثل إقليم كردفان، دارفور، والنيل الأبيض).
• الأثر الكارثي على التماسك الاجتماعي في السودان: إن حصر التنمية والاستثمارات وبناء البنية التحتية للمدن الحيوانية في ولايات معينة على حساب الأقاليم المنتجة تاريخياً يرسل إشارات بالغة الخطورة تؤدي إلى تعميق الإحساس بالتهميش التنموي والاقتصادي. في سياق هش ومترابط كالسودان، قد يؤدي هذا التوزيع غير العادل للموارد إلى تقويض التماسك الاجتماعي، وتغذية النزاعات العشائرية والجهوية حول هوية المستفيدين من ثروات البلاد الحقيقية.
ثانياً: الفجوة الاقتصادية والقدرة التنافسية (أزمة إنتاج اللحوم)
تعتمد فكرة مدن الإنتاج الحيواني على نموذج الإنتاج المكثف (Intensive Livestock System)، وهو نموذج يواجه عقبات اقتصادية ضخمة محلياً:
• عدم القدرة على منافسة إنتاج اللحوم: لا يمكن لنموذج المدن المغلقة أن يشكل ركيزة لإنتاج اللحوم الحمراء أو الصادر؛ لإنعدام ميزته التنافسية تماماً. فالأعلاف المصنعة والمركّزة ترفع تكلفة الكيلوغرام من اللحم إلى مستويات قياسية لا تكاد تنافس محلياً أو عالمياً.
• مجانية الموارد الرعوية: في المقابل، تعتمد الميزة التنافسية الكبرى للسودان في تصدير اللحوم على المراعي الطبيعية المجانية ونظم الترحال الذكي (Mobility). الحيوانات هنا تحول نباتات المراعي ذات القيمة الاقتصادية المنخفضة إلى بروتين حيواني عالي القيمة بأقل تكلفة رأسمالية ممكنة، وهو ما يمنح اللحوم السودانية فرصة حقيقية للمنافسة العالمية.
ثالثاً: التمييز الفني (أين يمكن تطبيق نموذج المدن؟)
رغم القصور التنافسي في قطاع اللحوم، إلا أن التحليل العلمي لا يسقط نموذج المدن كلياً، بل يحدد سياقه الوظيفي المناسب:
• حل أزمة ألبان المدن الحضرية: يمكن اعتماد نموذج “مدن الإنتاج الحيواني” كحل متخصص ومحدود النطاق لمعالجة مشاكل الإمداد الطازج للألبان حول العاصمة والمدن الكبرى (Peri-urban dairy systems). فصناعة الألبان تتطلب بطبيعتها سلاسل تبريد سريعة، وقرباً مباشراً من مراكز الاستهلاك الحضرية، والماشية الحلوب ذات الإنتاجية العالية تستجيب اقتصادياً للأعلاف المركزة والرعاية المكثفة، مما يبرر الاستثمار في مجمعات مغلقة للألبان حصراً، دون سحب هذا النموذج على اللحوم والرعي.
رابعاً: شواهد دولية (النموذج الأسترالي والأرجنتيني)
تثبت التجارب العالمية أن النظم الرعوية المفتوحة والمطورة هي القادرة على قيادة أسواق التصدير العالمية لللحوم، وليس المجمعات المغلقة المعزولة:
• التجربة الأسترالية (The Australian Pastoral System):
• تعد أستراليا من أكبر مصدري اللحوم الحمراء في العالم، ولم تحقق هذه الطفرة ببناء “مدن إسمنتية للثروة الحيوانية ، بل عبر مأسسة وتطوير القطاع الرعوي المفتوح (Rangeland Management) في المناطق الجافة وشبه الجافة، من خلال نُظم حصاد المياه، وتحسين خطوط المرعى، والبيطرة الوقائية.
• التجربة الأرجنتينية (The Argentine Pampa):
• اعتمدت الأرجنتين في طفرتها الإنتاجية التاريخية على نظام الرعي الحر في سهول البامبا هذا النظام الرعوي المطور منح اللحوم الأرجنتينية ميزتها التنافسية العالمية من حيث جودة اللحوم الطبيعية (Grass-fed) وانخفاض تكلفة الإنتاج مقارنة باللحوم المنتجة في حظائر التسمين الأمريكية المكثفة.
الخارطة البديلة: كيف نطور القطاع الرعوي؟
بدلاً من إنفاق ميزانيات ضخمة على تشييد مجمعات معزولة في مناطق هامشية، يجب توجيه الاستثمارات نحو “عصرنة القطاع الرعوي في مناطق إنتاجه الحقيقية” عبر أربعة محاور أساسية:
المسارات وحصاد المياه:
فتح وتأمين مسارات الرعي التقليدية، وحفر الآبار الجوفية بالطاقة الشمسية على طول خطوط الترحال في مناطق الإنتاج الرئيسية (كردفان ودارفور والنيل الأبيض).
الخدمات البيطرية المتنقلة:
إنشاء عيادات بيطرية متحركة ووحدات تحصين ذكية تصل إلى الرعاة في عمق المراعي لضمان سلامة القطعان المعدة للصادر.
مراكز تجميع لوجستية مرنة:
بناء نقاط تجميع وتصنيع على أطراف مناطق الرعي الرئيسية (تشمل مسالخ حديثة وخطوط تبريد) لربط المنتج بالأسواق دون تدمير نمطه المعيشي.
إدارة المراعي:
تقنين نُظم حيازة الأراضي الرعوية وتطبيق تقنيات استزراع الشجيرات الرعوية المتأقلمة لحماية التنوع البيئي والحد من النزاعات.
إن مقترح مدن الإنتاج الحيواني يحاول الهروب من تحديات القطاع الرعوي الحقيقي بتغيير مكانه وطبيعته، بدلاً من مواجهتها وحلها، وفي حين يمكن نجاحه كحل محلي طارئ لأزمة ألبان المدن، فإنه يفشل تماماً كاستراتيجية وطنية لإنتاج اللحوم والصادر. إن التمسك بهذا المقترح مع تهميش الأقاليم الحاضنة للثروة لا يهدد فقط الميزة التنافسية الاقتصادية للسودان، بل يحمل مخاطر كارثية على السلم والأمن والتماسك الاجتماعي. إن التطوير الحقيقي والآمن يبدأ من توجيه التنمية والاستثمار إلى مناطق الإنتاج الرئيسية لإنصاف منتجيها وتأمين مستقبل الثروة الحيوانية في بيئتها الطبيعية المعطاءة.



