رأي

وطن منكوب… كيف تمدّد الشر الإسلاموي تحت لافتة الدين؟

عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا

 

 عبد الرحيم أبو رندة .. بنسلفانيا

ليس الخراب الذي نعيشه اليوم حدثًا عابرًا أو نتيجة حربٍ مفاجئة، بل حصيلة مشروع طويل تمدّد في جسد السودان كالأفعى، يبدّل جلده ولا يبدّل سُمّه. فمنذ أن أمسكت الحركة الإسلاموية بخناق الدولة، صار الدين واجهة، وصار الوطن حقلاً تُزرع فيه الأكاذيب، ومسرحًا تُدار فيه أبشع عمليات النهب المنظّم باسم الفضيلة والإيمان.

ما فعلته الحركة الإسلاموية بالسودان لم يكن مجرد فساد دولة؛ كان تخريبًا ممنهجًا للوعي والاقتصاد والأخلاق، وكانت أخطر إنجازاتها أنها جعلت الكارثة تبدو قدَرًا إلهيًا. فالحركة التي رفعت شعارات “التمكين” لم تمكّن الوطن، بل مكّنت أنفسها، وحوّلت مؤسسات الدولة إلى شبكة جشعة يديرها الولاء لا الكفاءة، والفتوى لا القانون، والبطش لا العدالة.

لقد دمّروا التعليم حين جعلوه سوقًا لا رسالة. المدارس الخاصة التي التهمت مدخرات الأسر كانت جزءًا من هذا الخراب؛ مصانع للخوف لا للمعرفة، متاجر تُباع فيها الشهادات وتُشترى الأحلام. وحين اشتعلت الحرب، لم تختفِ الجريمة؛ بل بدّلت عنوانها. حمل أصحاب تلك المدارس جشعهم وهاجروا به، وفتحوا فروعًا في المنافي بالعقلية ذاتها، كأن الخراب قابل للنقل مثل الأثاث.

أما الاقتصاد فكان مسرحًا لنهبٍ أسطوري. بلد يعوم على الذهب لكنه يغرق بالجوع، تفيض أراضيه بالثروات لكن مواطنيه يقفون في صفوف الخبز. ومثل كل الأنظمة الفاشلة، لم تتردد الحركة الإسلاموية في تعليق فشلها على “مؤامرة العالم”. زعمت أنها محاصرة لأنها تقية، بينما الحقيقة أنها كانت محاصرة لأنها خطرة، لأنها حولت السودان إلى ملاذ للعنف والتطرف، وإلى منصة تعبر منها الفوضى إلى الإقليم وإلى العالم.

ولم يكن الدين بالنسبة لهم أكثر من بطاقة عبور. يرفعونه حين يريدون إقناع الفقراء بالصمت، ويتخلون عنه حين يعدّون الغنائم. لم يقدموا نموذجًا صالحًا، بل أسوأ نسخة من الإنسان حين يتحول الإيمان إلى تجارة والسلطة إلى غريزة.

الحقيقة المؤلمة التي يتهربون منها هي أن السودان لم يسقط لأنه ضعيف، بل لأنهم جعلوه ضعيفًا. لم يتفكك لأنه فقير، بل لأنهم أفقروا روحه قبل موارده. لم يهرب الشعب لأنه خائن، بل لأنه وجد وطنه يُدار كغنيمة لا كدولة.

اليوم، يعرف السودانيون كل شيء. يعرفون أن من حكموهم ثلاثين عامًا لم يكونوا مشروع نهضة، بل برنامج خراب. وأن من رفعوا راية الدين لم يخدموا الدين، بل استخدموه ستارًا لنهب لا يشبع ودمار لا يتوقف.

سيسقطون. ليس لأن الناس غاضبون، بل لأن الشر الذي تمدد باسم الدين لا يعيش طويلًا حين ينكشف. وسيسجّل التاريخ أن الحركة الإسلاموية لم تهزمها إلا حقيقتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!