رأي

المنافسة المشروعة والهدامة وأثرها على مسيرة التحول في السودان

سهيبة مريش

 

سهيبه مريش

يمثل التحول المنشود في أي مجتمع عملية معقدة ومتعددة الأوجه تتطلب تضافر الجهود والتزامًا راسخًا بالمبادئ الأخلاقية والمهنية. وفي سياق بناء وتطوير الدول، تبرز أهمية المنافسة كقوة دافعة للابتكار وتحسين الأداء. إلا أن طبيعة هذه المنافسة، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة، تحدد المسار الذي سيسلكه مشروع التحول نفسه. في السودان، حيث تتشابك التطلعات التنموية مع تحديات هيكلية عميقة، تكتسب دراسة تأثير كل نوع من أنواع المنافسة أهمية قصوى لفهم ديناميكيات التقدم والتراجع، مع الأخذ في الاعتبار الطبيعة البشرية التي تميل إلى التقليد، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى الضوابط المؤسسية الواضحة.

تعتبر المنافسة المشروعة بين الكوادر الركيزة الأساسية لأي نظام يسعى إلى التحديث والنمو. عندما يتنافس الأفراد بناءً على الكفاءة، والنزاهة، والإنتاجية المثبتة، فإن النتيجة الحتمية هي الارتقاء بمستوى العمل المؤسسي والخدماتي. في القطاعات التي تتسم بالشفافية، مثل التعليم العالي أو بعض مجالات القطاع الخاص الحديثة، نجد أن التنافس على أساس الجدارة يدفع الأفراد إلى تطوير مهاراتهم، والبحث عن حلول مبتكرة، وتحمل المسؤولية. هذا النوع من التنافس يخلق بيئة إيجابية تحفز على الإبداع وتكافئ الأداء العالي، مما يرسخ ثقافة الثقة في الإمكانات الذاتية والمؤسسية. إن وجود نظام تقييم عادل ومكافآت مرتبطة بالأداء الفعلي هو ما يجعل المنافسة المشروعة أداة بناء قوية في يد أي مشروع تحول وطني، فهو يضمن أن المناصب القيادية والإدارية تؤول لمن يمتلك المؤهلات الحقيقية، وهذا يقلل من الهدر في الموارد البشرية والمالية.

على النقيض تماماً، تقف المنافسة غير المشروعة كسم قاتل يفتك بجهود التحول. تشمل هذه المنافسة اللجوء إلى المحسوبية، والواسطة، والفساد، والتلاعب بالمعايير، والتشويه المتعمد لسمعة المنافسين. في السياق السوداني، حيث تشكل العلاقات القبلية والاجتماعية أحيانًا ضغطًا كبيرًا على المؤسسات، يجد الفساد ضالته بسهولة. عندما يتم ترقية شخص بناءً على علاقاته بدلاً من كفاءته، فإن ذلك لا يضر بالفرد الذي أُقصي فحسب، بل يرسل رسالة قوية لبقية الكوادر بأن الجهد والنزاهة لا يجديان نفعاً. هذا الإحباط يؤدي إلى هجرة الأدمغة وتراجع الالتزام الأخلاقي لدى من تبقى. مشروع التحول، الذي يعتمد أساساً على الثقة والمشاركة الفعالة، ينهار تدريجياً عندما يدرك الكفاءات أن الطريق للوصول إلى المراكز العليا مسدود أمامهم، وأن الولاءات الضيقة تتفوق على المصلحة العامة. النتائج المترتبة على ذلك هي تدهور جودة الخدمات، وتراكم المشاكل الهيكلية، وفقدان المصداقية بين الشعب والمؤسسات.

لفهم جذور استمرار المنافسة غير المشروعة، يجب النظر إلى طبيعة النفس البشرية والميل الفطري للتقليد، وهو ما يتجلى بوضوح في البيئة السودانية. يميل الإنسان بطبعه إلى محاكاة السلوكيات الناجحة أو الشائعة في محيطه. فإذا رأى الكادر الكفء أن زميله الأقل كفاءة قد حقق مكاسب سريعة أو ترقيات غير مستحقة عبر آليات غير مشروعة، فإن هذه الرؤية تتحول إلى نموذج يمكن تقليده. هذا التقليد ليس بالضرورة دليلاً على انعدام الأخلاق بقدر ما هو تكيف استراتيجي مع نظام قائم لا يكافئ النزاهة. في غياب منظومة عقابية رادعة أو منظومة مكافآت عادلة، يصبح الانخراط في المنافسة غير المشروعة هو الخيار المنطقي للبقاء والتطور المهني بالنسبة للكثيرين.

في السودان، تتضخم هذه الظاهرة بسبب التراكمات التاريخية التي عززت مفهوم الولاءات العمودية (لشخص نافذ) على حساب الولاءات الأفقية (للمؤسسة والقانون). فالمثال الذي ينجح فيه المسؤول الذي يخدم مصالحه الشخصية أو الجهوية هو مثل يُتداول ويُحتذى به، مما يحول دون ترسيخ ثقافة الكفاءة. هذا التقليد السلوكي يشكل حلقة مفرغة: الفساد يولد المزيد من الفساد لأنه يصبح هو المعيار السائد للنجاح المهني.

إن بناء تحول مستدام يتطلب تدخلاً جذرياً لإعادة تعريف معايير النجاح. يجب أن تبدأ عملية الإصلاح بتعزيز آليات الرقابة المستقلة والشفافة، وفرض عقوبات حازمة ورادعة على ممارسات المحسوبية والفساد، حتى لو كانت هذه الممارسات متجذرة في النسيج الاجتماعي. بالتوازي مع ذلك، لا بد من إطلاق برامج واضحة للاعتراف والاحتفاء بالكوادر التي تلتزم بالمعايير المهنية العالية، لخلق نماذج إيجابية جديدة يمكن للشباب تقليدها. عندما يصبح النجاح المرتبط بالنزاهة هو المسار الأكثر وضوحاً ومكافأة، يبدأ الميل الطبيعي للتقليد في توجيه طاقة المجتمع نحو البناء بدلاً من الهدم.

ختاماً، يمثل الصراع بين المنافسة المشروعة وغير المشروعة في السودان معركة وجودية لمشروع التحول الوطني. المنافسة القائمة على الجدارة هي المحرك الذي يدفع عجلة التقدم ويزرع الثقة في المستقبل، بينما المنافسة المرتكزة على المحسوبية تضمن تآكل المكتسبات وتكريس الفشل المؤسسي. ولكي يتمكن السودان من تحقيق تحول حقيقي، يجب أن يتجاوز الاعتماد على التمنيات، وأن يعمل بجدية على تفكيك الحوافز التي تدعم السلوك غير المشروع، والعمل على ترسيخ ثقافة تحتفي بالكفاءة والنزاهة كمعيار وحيد للترقي والنجاح، مستغلين الطبيعة البشرية في التقليد لصالح بناء مؤسسات قوية بدلاً من إدامة الضعف الهيكلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!