
مؤيد الأمين
في بلد يكاد يختنق تحت رماد ثلاث سنوات من الحرب والدمار يستمر مشروع الجزيرة ـ أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا وأحد أعمدة الاقتصاد السوداني ـ في التعرض لعملية تفكيك ممنهجة لا تخطئها العين. ما يجري اليوم ليس مجرد سوء إدارة ولا تراكم أخطاء تاريخية؛ إنه مسار مستمر من التخريب المتعمد الذي تتبناه قوى الاستبداد وعلى رأسها بقايا الحركة الإسلامية السياسية ممن ارتبط وجودهم بإضعاف مؤسسات الدولة ونهب مواردها لصالح شبكات الولاء والتمكين.
منذ انقلاب 1989 ظل مشروع الجزيرة هدفًا مركزيًا لسياسات الحركة الإسلامية التي رأت في هذا المشروع قوة اجتماعية واقتصادية مستقلة لا تخضع بسهولة لمنطق السيطرة الحزبية الضيقة. ولأن المزارعين في الجزيرة كانوا دائمًا عصيين على الاحتواء فقد سعت السلطة البائدة إلى تفكيك بنيتهم النقابية والاقتصادية وإغراق المشروع في الديون وإصدار القوانين الموجهة لخصخصته وإفراغه من محتواه القومي. وما يحدث اليوم هو استكمال لهذا النهج وإن جاء بوجوه جديدة ولكن بعقلية قديمة.
الانتخابات في زمن النزوح: عبث سياسي أم إصرار على التمكين؟
في وقت يعيش فيه ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء إثر حرب خمسة عشر أبريل الوحشية تخرج سلطات الأمر الواقع من بورتسودان لتنظيم انتخابات لجمعيات المشروع. خطوة تبدو في ظاهرها إجرائية لكنها في حقيقتها محاولة لإعادة إنتاج السيطرة القديمة عبر واجهات جديدة؛ انتخابات تجرى في غياب أصحاب الأرض الحقيقيين بينما ما تزال القرى مهدمة والحقول شاسعة بلا مزارعين وأهالي الجزيرة موزعون بين مخيمات النزوح ومدن الغربة.
إن تنظيم انتخابات في ظل هذا الانهيار ليس عملًا إداريًا بل فعل سياسي مقصود. المقصود به تثبيت وكلاء النظام البائد داخل مفاصل المشروع وتمهيد الطريق للسيطرة على الأرض عبر هياكل انتخابية مشوهة تفتقر إلى الشرعية. فكيف تجرى انتخابات بينما آلاف الأفدنة لم تُزرع؟ وكيف يمنح قرار لمجتمعات مهمشة لم تستطع حتى العودة إلى منازلها؟
إنها محاولة لتغيير إرادة المزارعين في غيابهم وإعادة تشكيل الخارطة الاجتماعية في الجزيرة بما يخدم أجندة التمكين لا خدمة المزارعين ولا استعادة المشروع لدوره الاقتصادي.
القانون سيئ الذكر… حلقة أخرى في مسلسل الخصخصة
لم يكن قانون تنظيم أصحاب الإنتاج الزراعي والحيواني مجرد تشريع عابر بل أحد أعمدة مشروع الخصخصة الذي حاولت به السلطة البائدة تحويل المشروع من ملكية عامة إلى كيان مفرغ يمكن وراثته وتوزيعه على شبكات النفوذ. لقد تم تمرير القانون ليكون خدميًا يستجيب لرغبات السلطة لا مطلبيًا يعكس احتياجات المزارعين.
واليوم تعود هذه السياسات بثياب جديدة في محاولة لإحياء التشريعات القديمة نفسها عبر إضعاف الاتحاد الشرعي للمزارعين وتمرير جمعيات لا تمثل إلا القوى التي تريد السيطرة على الأرض واستثمار الحرب كنافذة للتمكين الاقتصادي.
إنسان الجزيرة… الهدف غير المعلن
الهجوم على مشروع الجزيرة ليس مجرد استهداف للاقتصاد؛ إنه عملية ممنهجة لضرب منظومة اجتماعية كاملة. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد أرض زراعية؛ إنها مجتمع قائم على التعاون والإنتاج الجماعي والعون الذاتي والاستقلالية الاقتصادية.
هذه القيم تمثل نقيضًا مباشرًا لمشروع الإسلاميين القائم على الولاء الحزبي والاقتصاد الطفيلي. لذلك ليس غريبًا أن تتعرض الجزيرة منذ عقود لحملة منظمة لإفقار مزارعيها وإغراقهم في الديون وتعطيل بنيتهم المؤسسية وخلق فراغ إداري يسمح لوكلاء النظام البائد بالتمدد.
لقد كان المزارع في الجزيرة قادرًا على تمويل المدارس والطرق والمستشفيات من جهده الخاص. هذا النوع من القوة المجتمعية لا يناسب نظامًا يبحث عن مجتمع مستضعف يسهل تطويعه. ولذلك يصبح تدمير مشروع الجزيرة هو الطريق الأسرع لتدمير إنسان الجزيرة ودفعه من موقع الفاعل إلى موقع التابع.
التغافل عن العروة الشتوية… إهمال أم سياسة؟
بينما كان من المفترض أن تنشغل إدارة المشروع بالعروة الشتوية وهي مرحلة تأسيسية لا تحتمل التأجيل انشغلت بتنظيم انتخابات شكلية. النتيجة آلاف الأفدنة بلا زراعة وقطاعات واسعة من المزارعين عاجزة عن العمل بسبب النزوح وديون جديدة تضاف إلى العبء الثقيل الذي يحمله أهل الجزيرة.
إن هذا التغافل ليس خطأ إداريًا بل امتدادًا للسياسات التي سعت لإجهاض الموسم الزراعي وإحكام السيطرة من خلال إفقار الناس وتعطيل الإنتاج.
معركة المزارعين… معركة من أجل بقاء المشروع والوطن
إن ما يطلبه مزارعو الجزيرة ليس معجزة: اتحاد شرعي يمثلهم وصوت مسموع لشؤونهم وسياسات تحميهم من استغلال الحرب لتغيير موازين السلطة على الأرض.
المعركة اليوم ليست فقط بين المزارعين وإدارة المشروع؛ إنها معركة بين مشروع وطني ظل لعقود رافدًا اقتصاديًا واجتماعيًا للسودان وبين قوى الخراب التي لا ترى في الزراعة إلا فرصة للتمكين وإعادة إنتاج الماضي
خاتمة
مشروع الجزيرة لن يموت. رغم الخراب والحرب والنزوح تبقى الجزيرة أرضًا لا تنكسر، والتاريخ يشهد أن قوة المزارعين لا قوة السلاح هي التي صنعت هذا المشروع، وأن إرادة أهل الجزيرة ستظل أكبر من محاولات التدمير المتعمد.
إن حماية مشروع الجزيرة اليوم ليست دفاعًا عن أرض فقط بل عن كرامة الإنسان السوداني وعن المستقبل الذي لا يمكن أن يولد من ركام فساد القديم.




