رأي

دولة 56: المسخ العنصري الذي وُلد من رحم العبودية وتغذّى على الإبادة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين تتحول الدولة إلى جريمة مستمرة ضد شعوبها

لم تكن الدولة التي أُعلن قيامها في السودان عام 1956 تتويجًا لنضال وطني جامع، ولا مشروعًا أخلاقيًا للتحرر والعدالة، بل جاءت كامتداد داخلي مباشر لمنظومة الاستعمار، انتقلت فيه أدوات القهر من يد المستعمر الأجنبي إلى نخبة محلية أعادت إنتاج نفس البنية، ونفس المنهج، ونفس الغاية. لم تتأسس هذه الدولة على الاعتراف بالإنسان السوداني بكل تنوعه، وإنما على مصادرة هذا التنوع وتحويله إلى مصدر خوف يجب سحقه أو إخضاعه.

دولة 56 لم تُبنَ على فكرة المواطنة، بل على منطق الامتياز، ولم تُدار كفضاء للحقوق، بل كغنيمة سياسية واقتصادية، تتقاسمها أقلية ضيقة بينما تُترك غالبية الشعوب السودانية للفقر، والتهميش، والحروب، والموت المجاني.

الدولة التي لا تقوم على المساواة، لا تحكم… بل تحتل

التأسيس غير الأخلاقي: دولة وُلدت بلا اعتراف بالإنسان

منذ لحظة التأسيس، تهربت دولة 56 من السؤال الجوهري المتعلق بالهوية والمواطنة. لم يُطرح سؤال: من هو السوداني؟ لأن الإجابة كانت محسومة مسبقًا داخل وعي النخبة الحاكمة. فالسوداني المقبول هو من ينسجم مع نموذج أحادي للهوية: عروبة مهيمنة، وإسلام سياسي مُسيطر، ومركز يحتكر السلطة والمعنى معًا.

كل من خرج عن هذا النموذج جرى وضعه تلقائيًا في خانة الآخر: المختلف، المشكوك في انتمائه، أو المهدد لوحدة الدولة. وبهذا لم تتشكل الدولة كإطار جامع، بل كأداة إقصاء منظم، تعترف بالأرض ولا تعترف بأهلها، وتدير الوطن كملكية خاصة لا كمسؤولية عامة.

من سوق العبيد إلى قصر الحكم: الاستمرارية القذرة

لا يمكن فهم بنية الدولة السودانية دون العودة إلى تاريخ العبودية، لا باعتباره ماضيًا منقطعًا، بل باعتباره الأساس العميق الذي قامت عليه الدولة الحديثة. فالخرطوم نفسها تأسست كسوق مركزي لتجارة الرقيق، وكانت أجساد البشر سلعة رائجة تُجلب من الجنوب والجبال والغرب، وتُباع بلا أي اعتبار للكرامة الإنسانية.

المفارقة الفاضحة أن هذه المرحلة لم تُدان أخلاقيًا، بل جرى تجاهلها أو تمجيد رموزها، وتحوّلت أسماء تجار العبيد إلى شوارع ورموز اجتماعية. وهكذا انتقلت عقلية السيد والعبد من السوق إلى الدولة، ومن السوط إلى القانون، ومن العُرف إلى المؤسسة.

حين لا تُدفن العبودية في التاريخ، تعود حاكمة في الحاضر.

 العنصرية البنيوية: حين تصبح الدولة جهاز فرز بشري

العنصرية في السودان ليست مجرد ممارسات اجتماعية، بل هي بنية دولة متكاملة. تجلت في شكل سياسات واضحة تحكم توزيع السلطة والثروة، وتحدد من يحق له الوصول إلى مراكز القرار ومن يُقصى بشكل دائم. الجيش، والأجهزة الأمنية، والإدارة العامة، والإعلام، والتعليم، كلها خضعت لعملية فرز غير معلنة لكنها صارمة.

هكذا تشكل نظام طبقي عنصري يقسم البلاد إلى مركز مُسيطر وهامش مُستباح. المركز يحتكر القوة والشرعية، بينما يُترك الهامش للفقر، والنزاعات، والاتهام الدائم بالتمرد وعدم الوطنية.

التمييز الداخلي: «الأسود والأكثر سوادًا»

من أبشع تجليات العنصرية في السودان أنها لا تتوقف عند اللون أو العرق العام، بل تتغلغل داخل المجتمع نفسه. تقسيم الناس إلى “أسود” و“أكثر سوادًا” ليس تعبيرًا لغويًا بريئًا، بل مرآة لبنية اجتماعية تميز بين المواطنين داخل الفئة الواحدة.

هذا التمييز يحدد من يُستباح، ومن يُهمّش، ومن يُسمح له بالترقي الاجتماعي. وقد أسهم هذا النمط من العنصرية الداخلية في تدمير التضامن الاجتماعي، وزرع الكراهية، وحتى إنتاج وعي مضاد للذات لدى الضحايا أنفسهم.

 التطهير العرقي: السياسة حين تفقد أي قناع

ما شهدته مناطق دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وجنوب السودان سابقًا، لم يكن نزاعات عفوية أو صراعات قبلية، بل كان سياسات دولة مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع السكاني بالقوة. استخدمت الدولة العنف كأداة حكم، فحرقت القرى، وهجّرت السكان، وفتحت الباب أمام جرائم منظمة بذريعة الحفاظ على الأمن أو وحدة البلاد.

التطهير العرقي لم يكن انحرافًا عن المسار، بل كان جزءًا أصيلًا من عقلية دولة ترى في بعض شعوبها خطرًا يجب إزالته.

الدولة التي تحارب مواطنيها، تعلن إفلاسها الأخلاقي.

الإبادة الجماعية: دارفور كنقطة اللاعودة

في دارفور، بلغت العنصرية ذروتها القصوى. استُهدفت مجموعات بعينها على أساس هويتها العرقية، وارتُكبت جرائم واسعة النطاق لا يمكن وصفها إلا باعتبارها إبادة جماعية. لم تكن هذه الجرائم نتيجة فوضى، بل وقعت في ظل تواطؤ رسمي، وصمت متعمد، وإنكار ممنهج.

منذ تلك اللحظة، فقدت دولة 56 أي ادعاء بالشرعية الأخلاقية. لم يعد الحديث عن سوء إدارة أو فشل سياسي، بل عن دولة اختارت أن تقتل جزءًا من شعبها للحفاظ على امتيازات نخبتها.

 الدين: أداة القتل المقدس

تميّزت التجربة السودانية باستخدام الدين كغطاء أيديولوجي للعنصرية. جرى تكفير الضحايا، وتجريدهم من إنسانيتهم، وتحويل الحرب ضدهم إلى معركة مقدسة. بهذه الطريقة، رُفعت الحواجز الأخلاقية، وأُضفيت شرعية زائفة على القتل والتهجير والانتهاكات.

 

الدين هنا لم يكن مصدر قيم، بل أداة إقصاء وإلغاء.

حين يتحول الدين إلى سلاح، تصبح الجريمة عبادة.

 تزييف التاريخ: الجريمة المكتوبة بالحبر

لم تكتفِ الدولة بارتكاب الجرائم، بل عملت على إعادة كتابة التاريخ بطريقة تبررها. جرى إخفاء الإبادات، وتشويه صورة الضحايا، وتحويل الجلاد إلى بطل وطني. التاريخ الرسمي في السودان ليس سجلًا للحقائق، بل وثيقة دفاع عن سلطة قائمة على القهر.

غياب التشريع: دولة تحمي العنصرية

حتى اليوم، لا يوجد في السودان قانون صريح يجرّم العنصرية. هذا الغياب ليس صدفة، بل اختيار سياسي واعٍ، لأن تجريم العنصرية يعني فتح الباب لمساءلة الدولة نفسها، ومحاسبة بنيتها العميقة، وهو ما لا تسمح به النخبة المستفيدة.

 حرب 15 أبريل: لحظة انكشاف الدولة

جاءت حرب 15 أبريل لتكشف جوهر الدولة دون مساحيق. عادت مشاهد القتل الجماعي، والسحل، والتهجير، والانتهاكات الواسعة، بما في ذلك استخدام أسلحة محرمة. لم تكن هذه الحرب انقطاعًا عن الماضي، بل امتدادًا طبيعيًا له، ودليلًا على أن الدولة لم تتغير، وإنما أعادت إنتاج عنفها بأشكال جديدة.

دولة الأوليغارشية: السلطة كغنيمة

دولة 56 هي دولة أقلية تحكم أغلبية بالقوة. أوليغارشية فاسدة تتحكم في الموارد، وتمنع أي تحول ديمقراطي حقيقي، لأن السلام والعدالة يشكلان تهديدًا مباشرًا لامتيازاتها.

السلام عدو الدول التي تعيش على الدم.

 القطيعة التاريخية: لا إصلاح للمسخ

لا يمكن إصلاح دولة قامت على الإقصاء والإبادة. المطلوب ليس ترقيع النظام، بل قطيعة شاملة مع دولة 56، وسردياتها، ومؤسساتها، ورموزها. دولة يجب أن تُحاسَب تاريخيًا وأخلاقيًا، لا أن تُعاد إنتاجها تحت مسميات جديدة.

 إلى مزابل التاريخ غير مأسوف عليها

دولة 56 ليست وطنًا جامعًا، بل جريمة سياسية مستمرة. مستقبل السودان لن يُبنى إلا بالاعتراف الكامل بهذه الحقيقة، وبالقطيعة مع هذا النموذج الفاسد، وبناء دولة جديدة على أساس المواطنة المتساوية والعدالة والكرامة الإنسانية.

أما هذا المسخ المشوه، فقد انتهت صلاحيته الأخلاقية والتاريخية، ولا مكان له إلا في مزبلة التاريخ

الأوطان لا تُقاس بعمرها، بل بعدالتها… ودولة 56 سقطت في الامتحان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!