
عمار نجم الدين
ومن يحتاج إلى الماضي ليقرأ المستقبل،
لا يرى غير البنيان حين ينهار.
لم تبدأ أزمة السودان يوم دوّى الرصاص في الخرطوم، ولا يوم اختلف الجنرالات، ولا في أي منعطف سياسي ظن الناس أنه لحظة مفصلية. جذور الأزمة أعمق من الأحداث، وأسبق من الحكومات، وأرسخ من تبدّل الوجوه. بدأت يوم وُلدت الدولة نفسها مشوّهة؛ دولة صُمّمت لتخدم أقلية، وتترك بقية البلاد في فضاء الانتظار الطويل. منذ 1956، والخرائط السياسية والاجتماعية لا تتغير إلا شكلاً، بينما تظل البنية التي تدير السودان واحدة تقريباً، كما تُظهر بيانات البنك الدولي وUNDP التي ترصد منذ عقود ثباتاً غير طبيعي في التفاوت بين المركز والهامش.
فحين نقرأ الأرقام بعيون لا تبحث عن التبرير، نرى أن 86% من رؤساء الحكومات والوزراء السياديين جاءوا من الشريط النيلي، وأن أكثر من 90% من السفراء طوال ستين عاماً ينتمون لنفس الحزام الجغرافي. هذه ليست مصادفات عادية، بل نمط ثابت تعزّزه دراسات البنك الدولي ومراجعات بنك التنمية الأفريقي التي تُظهر أن مواقع اتخاذ القرار في السودان لم تتسع يوماً إلا لنخب محددة.
وحين ننظر إلى الاقتصاد، تتضح الصورة أكثر. المناطق التي تنتج أكثر من 70% من ثروة السودان — الذهب، الثروة الحيوانية، الزراعة، طبقاً لتقارير البنك الدولي والـ FAO — لم تحصل طوال العقدين الأخيرين إلا على ما بين 15% و17% من الإنفاق الحكومي. دارفور التي تورد 45% من اللحوم والصادرات الحيوانية لا تحصل إلا على 3% من ميزانية الدولة، كما تُظهر أرقام AfDB. النيل الأزرق الذي يمد السودان بالكهرباء يعيش بتغطية لا تتجاوز 2%. هذه فجوة لا تُفسّر إلا بأن الدولة نفسها قائمة على هندسة توزيع غير عادلة.
أما المؤسسة العسكرية، التي يُفترض أنها العمود المحايد للدولة، فهي في الحقيقة أكثر مؤسسات السودان إفصاحاً عن أصل المشكلة. فوفق بيانات Small Arms Survey وSIPRI، أكثر من 76% من الضباط ينتمون للمركز، بينما يأتي 68% من الجنود من دارفور وكردفان والنيل الأزرق. وفي حرب الجنوب وحدها، تشير تقديرات HRW وAmnesty International إلى أن أكثر من 92% من قتلى الجيش كانوا من أبناء الهامش، وهي نسب تُظهر أن الجيش لم يكن جهازاً وطنياً بل أداة لفرض البنية المركزية.
العنف نفسه لم يكن استثناءً، بل تطبيقاً عملياً لهيكل الدولة. فبيانات ACLED، التي تُعدّ المرجع الدولي لتوزيع أحداث العنف، تُظهر أن مناطق الأطراف تعرضت لأكبر قدر من القتل والقصف منذ التسعينيات. في دارفور قُتل أكثر من 400 ألف شخص، وفي جبال النوبة كانت أكثر من 20 ألف غارة جوية على المدنيين خلال ربع قرن، وفي النيل الأزرق تعرضت 90% من القرى المقصوفة للقصف بسبب موقعها الجغرافي لا بسبب انتماءاتها السياسية. هذه ليست معارك… هذا توزيع منهجي للعنف.
والتعليم — الذي يُفترض أن يكون بوابة المساواة كان واحداً من أقوى أدوات إعادة إنتاج هذه الهيمنة. بيانات UNESCO وUNDP تؤكد أن 65% من الجامعات المتقدمة تقع في الشريط النيلي، بينما لا يتجاوز الالتحاق بالتعليم العالي في دارفور وكردفان 18%. ثقافات السودان غير ممثلة في المناهج، ولغات الهامش لا وجود لها، والنتيجة أن المعرفة نفسها أصبحت أداة لإعادة صنع الطبقة المهيمنة.
في وسط هذا التاريخ، تأتي “مذكرة السودانيين” لتطالب بالحكم المدني والعدالة وتمدين الفضاء السياسي. لكن المشكلة ليست في المطالب نفسها، بل في غياب القراءة التي تربط هذه المطالب بجذور الأزمة. فالحكم المدني في دولة بُنيت على عدم المساواة لا يعني شيئاً سوى تدوير نفس النخب. والعدالة التي لا تبدأ بالاعتراف بالجناة البنيويين — المؤسسة العسكرية، أجهزة الدولة، المنظومة القديمة — تصبح شعاراً بلا حامل. أما تمدين الفضاء السياسي دون تفكيك أدوات السيطرة المركزية، فهو مجرد إعادة تسمية للمشكلة.
السودان اليوم لا يعيش خلافاً بين جيش ودعم سريع. يعيش تصادم بين بنيتين: بنية قديمة تستند إلى امتياز تاريخي محمي بالسياسة والاقتصاد والتعليم والقوة؛ وبنية جديدة خرجت من الأطراف بعد لحظة 15 أبريل، لحظة انكشف فيها ما كان مختبئاً تحت سطح الاستقرار الوهمي: الدولة المركزية لم تكن دولة وطنية، بل كانت مشروعاً مغلقاً على نفسه.
لهذا فإن نقد مذكرة السودانيين ليس اعتراضاً على نيتها، بل محاولة لإنقاذ النقاش من الوقوع مرة أخرى في إعادة تدوير الأزمة. لا مدنية بلا تفكيك للبنية القديمة. لا عدالة بلا أن يُسمّى من صنع الظلم. لا دولة جديدة بلا أن تُكتَب من الأطراف إلى المركز، لا من المركز إلى الأطراف.
هذا هو أصل الصراع؛ ومن لا يبدأ من الجذور … يعود دائماً إلى الخراب نفسه.
🔗 روابط
World Bank – Sudan Country Data بيانات اقتصادية، تنمية، فقر، مؤشرات تنموية https://data.worldbank.org/country/sudan
World Bank – Poverty & Equity Brief (السودان) معدلات الفقر، تفاوت دخل، فقر مدقَّق حسب ولايات / مناطق https://databankfiles.worldbank.org/public/ddpext_download/poverty/33EF03BB-9722-4AE2-ABC7-AA2972D68AFE/Global_POVEQ_SDN.pdf
International Organization for Migration (IOM) – Sudan Displacement Tracking Matrix (DTM) بيانات النزوح الداخلي، عدد النازحين حسب الولاية https://dtm.iom.int/sudan
United Nations Development Programme (UNDP) – Human Development Report 2021-22 (بيانات السودان) مؤشرات تنمية بشرية، تعليم، دخل، تفاوتات https://www.undp.org/sudan/publications/human-development-report-2021-22
ACLED – Conflict Data for Sudan بيانات معارك، عنف، قصف، توزيع جغرافي للعنف https://acleddata.com/country/sudan
Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI) – بيانات عن السودان معلومات رسمية عن الإنفاق العسكري، الأسلحة، المؤسسات الأمنية https://www.sipri.org/taxonomy/term/635
تقرير العام العام عن السودان (مراقبة حقوق الإنسان): “SUDAN” — تقرير أمني/حقوقي مفصّل من 1995 يوضّح تاريخ الانتهاكات في السودان. https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/afr540291995en.pdf?utm_source=chatgpt.com
الكتاب الأسود اختلال ميزان السلطة و الثروة في السودان




