
منال علي محمود
من حق كل قناة إعلامية أن تمتلك خطاً تحريرياً. لكن حين تتعلق الكاميرا بمصير شعب، تصبح الرواية مسؤولية، لا موقفاً سياسياً.
منذ اندلاع الحرب في السودان، قدّمت الجزيرة نفسها كمنبر للحق والعدالة. غير أن ما يظهر على الشاشة يروي شيئاً آخر: انحياز واضح لرواية الجيش، وتجاهل شبه تام لجرائم وانتهاكات موثقة ارتكبها الجيش. فالضحايا ليسوا درجات والمعاناة لا تتجزأ.
القوى المدنية السودانية التي حملت شعلة التحول الديمقراطي تظهر في تغطية الجزيرة كأنها طرف هامشي بلا وزن ولا دور في مستقبل الوطن. وكأن الديمقراطية التي تنادي بها القناة ليست لشعوب السودان، إنما لمن ينسجم مع خياراتها السياسية فقط.
تقرير بابنوسة… المهنية التي سقطت
حين بثت الجزيرة تقريراً لنساء قيل إنهن فررن من مدينة بابنوسة إلى الأبيض بسبب فظائع الحرب، تفاعل المشاهد العربي مع قصة إنسانية مؤلمة. لكن الحقيقة كانت أبسط وأوضح. بابنوسة كانت خالية من المدنيين منذ فترة طويلة.
ومع ظهور الحقائق، سحبت القناة التقرير دون أي اعتذار. السكوت هنا ليس تصحيحاً بل إصرار على خطاب واحد لا يحتمل المراجعة.
ولماذا لم تذهب الجزيرة إلى نيالا أو مناطق النزاع الأخرى كما فعلت قنوات أخرى؟ إذا كان هدفها نقل الحقيقة وليس الاصطفاف السياسي، لكان من الطبيعي أن تعرض الواقع في كل مناطق النزاع المتأثرة، وليس تصوير جانب واحد فقط. غياب هذه التغطية يطرح سؤالاً عن المصداقية. هل الهدف إعلامي أم سياسي؟
ازدواجية في الدفاع عن الديمقراطية
تشدد الجزيرة على تقييم أداء القوى المدنية في السودان، وتقدّم ذلك دائماً بنبرة المسؤول عن الخراب. لكن السؤال الذي ينتظر إجابة: أين كانت كاميرات الجزيرة يوم تم انتقال السلطة داخل العائلة الحاكمة في دولة القناة نفسها؟ ألم تكن تلك لحظة تستحق تحليلاً صارخاً عن الشرعية والدستور والإرادة الشعبية؟
إذا قاطعت القوى المدنية وتحالف تأسيس قناة الجزيرة، فإنها ستصبح أحادية الرأي تماماً مثل قناة طيبة التابعة للإسلامويين في السودان ومقرها تركيا، والتي أُغلقت خوفاً من قرارات ترامب بتصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية. غياب التوازن والحياد يحوّل الإعلام من مرآة للواقع إلى أداة سياسية تخدم أجندات محددة.
الحرب ليست رواية طرف واحد
الحرب في السودان معقدة، وطرفاها مسؤولان عن مآسٍ طالت الأبرياء. لكن في تغطية الجزيرة، انتهاكات الجيش تمر بلا مساءلة، وطرف آخر يُدان دائمًا.
وحين يخضع الإعلام لمنطق البطل والشيطان، فهو لا يغطّي الحرب بل يصنع عدواً واحداً يخدم به أجندته الخاصة.
خاتمة… السؤال الذي يُحرج
هل الجزيرة مع الحقيقة في السودان أم مع من يقترب من خيالها السياسي؟ إلى أن تجيب، سيبقى تقرير بابنوسة الذي اختفى بلا توضيح شاهداً على أن بعض الإعلام لا ينقل الحرب بل يشارك في صناعتها.
#أين_ذهب_تقرير_بابنوسة




