من انتهاك الجسد إلى انتهاك الإنسان: قراءة حقوقية وقانونية في اعتداء السيدة ميادة على الجنوب سودانيا
عمار نجم الدين

عمار نجم الدين
هذه القضية ليست نزاعاً عابراً حول اتهامٍ بالسرقة داخل منزل خاص، بل هي نموذج مكثّف لاختبار جدّية احترامنا للقانون، ولحقوق الإنسان، ولحدود السلطة التي نسمح لأرباب المنازل أن يمارسوها على العاملات المنزليات، حين يكنّ من الفئات القادمات من هوامش الفقر والحرب واللجوء؛ نساءً يشتركن معنا في الجغرافيا واللون والجرح، لكنهن يُدفَعن في كثير من الأحيان إلى أدنى درجات السُلّم الاجتماعي، فيُعامل الاعتداء عليهن كأنه خلاف خاص، مع أنه في جوهره طعنٌ في حق إنساني عام يمسّنا جميعاً.
فمن الثابت قانوناً أن الكرامة الإنسانية، والحرية الشخصية، وحرمة الجسد والمسكن، حقوق أصيلة لا يجوز المساس بها إلا وفقاً للقانون وبإجراءات قضائية محدّدة. وهذه القاعدة لا تميّز بين مواطن ومقيم، بين لاجئ وعاملة منزلية؛ بل تشمل الجميع دون استثناء. دخول العاملة إلى بيت صاحب العمل بإذنه لا يحوّل ذلك البيت إلى منطقة خارج القانون، ولا يخلع على صاحب المنزل سلطة «الضابط» و«القاضي» و«الجلاد» في آن واحد.
وحيث إنه كثيراً ما يُستعمل في مثل هذه الوقائع خطابٌ يقول: «لم يدخل البيت بلطجية، بل أشخاص يعملون معنا»، أو «قمنا نحن ومن معنا بتفتيش البيت والفتيات بحثاً عن المسروقات»، فإن هذا الخطاب، من الناحية القانونية البحتة، لا يغيّر من الطبيعة الجنائية للفعل. فـ«البلطجي» في لغة القانون ليس مهنة في بطاقة الهوية، وإنما وصف لسلوك مجرّم: كل من يباشر عنفاً أو تهديداً أو تفتيشاً مهيناً خارج الإطار الذي رسمه قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، يمارس فعلاً يدخل في نطاق البلطجة والاعتداء، سواء أكان حارساً، أو موظفاً، أو مديراً، أو «اثنين شغالين مع صاحبة المنزل».
ولما كان قانون العقوبات يجرّم الاعتداء بالضرب وإحداث الجروح والإيذاء البدني، ويجرّم الاحتجاز غير المشروع، والإكراه، والتهديد، وكل ما يمسّ سلامة الجسد وحرية الإنسان وكرامته، فإن أي ضرب أو تعذيب أو إذلال للعاملات المنزليات – تحت ستار «التحقيق في السرقة» – لا يمكن اعتباره ممارسة مشروعة لحق صاحب البيت، بل هو في صميمه اعتداء جنائي كامل الأركان. ولا ينهض الادعاء بالسرقة ذريعةً لإسقاط الحماية الجنائية عن الضحية، ولا لترخيص العنف والتفتيش المهين.
كما أن قانون الإجراءات الجنائية في مصر حصر سلطة التفتيش في جهات محددة: النيابة العامة، ومأموري الضبط القضائي، وبشروط صارمة، منها وجود دلائل كافية على وقوع جريمة، والحصول على إذن من النيابة في غير حالات التلبس، وتحرير محضر رسمي يبيّن زمان ومكان التفتيش ومن حضره. وعليه، فإن ما يجوز لصاحب المنزل هو أن يفتش ممتلكاته الخاصة داخل البيت رفقة أسرته، وأن يراجع الكاميرات، وأن يتخذ ما يشاء من قرارات مدنية في نطاق العلاقة العقدية؛ أما أن يمدّ هذا الحق إلى جسد العاملات أو متعلقاتهن الخاصة بالقوة أو تحت التهديد، أو أن يستدعي أشخاصاً من طرفه ليمارسوا دور الشرطة في التفتيش والاستجواب والضغط، فذلك خروج صريح من دائرة الحق المشروع إلى دائرة الانتهاك والبلطجة.
وحيث إن عبء الإثبات في النزاعات يخضع لقاعدة مستقرة مؤدّاها أن من يدّعي واقعة عليه عبء إثباتها، فإن صاحب المنزل الذي يدّعي السرقة مُلزَم بتقديم ما يؤيّد دعواه من أدلة جدّية: كاميرات، شهود، محاضر رسمية، ضبط للمسروقات. وفي المقابل، إذا ادّعت العاملات أنهن تعرّضن للضرب أو الإهانة أو التفتيش المهين، فلهن، من حيث المبدأ، أن يلتجئن إلى الشرطة، وأن يطلبن توقيع الكشف الطبي لإثبات الإصابات، وأن يستعنّ بأي تسجيلات أو شهود متاحين. وحين تتناقض رواية الطرف الأقوى اجتماعياً ومالياً، بينما تأتي رواية الضحايا متماسكة مدعومة بقرائن موضوعية، فإن هذا التناقض نفسه يصبح قرينة تُحسب قانوناً ضد صاحب النفوذ لا لصالحه.
إن التذرّع بعبارات دينية من قبيل «حسبي الله ونعم الوكيل» والامتناع في الوقت ذاته عن اللجوء إلى الشرطة وفتح بلاغات رسمية، لا يُعَدّ دفاعاً قانونياً ولا ينفي المسؤولية المحتملة، بل قد يُقرأ، في ضمير الرأي العام، كجزء من محاولة للالتفاف على مقتضيات التحقيق القضائي، واستبدال القانون باستدرار العاطفة. الدعاء حق مشروع، لكنه لا يعفي أي طرف من واجبه في المثول أمام سلطة التحقيق، ولا يمنح حصانة من المساءلة.
ومن الزاوية البنيوية الأعمق، لا يمكن اختزال هذه الوقائع في خلافات فردية، لأنها تجري في سياق تاريخي وثقافي يحمّل الفئات الأفريقية المهمَّشة – من جنوب السودان، ومن إثيوبيا، ومن إريتريا – عبءَ صورة نمطية تجعلهم في أسفل السُلّم الاجتماعي، وتسوّغ – في لاوعي بعض الفئات – معاملتهم كـ«خدم» يمكن رفع الصوت عليهم، والاعتداء على أجسادهم، واتهامهم بالسرقة بأقلّ دليل. هذه الذهنية العنصرية لم تولد اليوم؛ بل هي امتداد لبنية تمييزية قديمة في المجتمعات السودانية وما حولها، كانت تدفع هذه الفئات إلى هوامش العمل المنزلي والخدمة والمهام الأقل قيمة اجتماعياً، وتُجرّدهم من حقهم الكامل في الكرامة والاحترام.
وقد كان يُظن أن دروس الحرب الأهلية، والتشريد، واللجوء، وما تعرّض له ملايين السودانيين أنفسهم من قهر وإذلال، ستكفي لتفكيك هذه العقلية، وأن من ذاق التهميش لن يعيد إنتاجه على من هم أضعف منه. لكن الواقع أظهر أن بعض العقول ما زالت أسيرة منطق الاستعلاء، تنقل ما تعرّضت له من عنف بنيوي إلى حلقات أضعف: إلى العاملة المنزلية، وإلى اللاجئة، وإلى الجنوب سودانية القادمة من حرب ومجاعة، وإلى الإثيوبية والإريترية التي لا تملك شبكات حماية.
ومع ذلك، لا يمكن، ولا يجوز، تعميم هذه الذهنية على جميع السودانيين؛ فقد أظهرت ردود الفعل الصادقة من قطاعات واسعة من الشعب السوداني تعاطفاً واضحاً مع الفتيات الجنوب سودانيات، وإدانة قوية لأي اعتداء عليهن، وهذا موقف أخلاقي ذو دلالة بنيوية مهمة؛ لأنه يكشف عن وجود ضمير جمعي حيّ يرفض العنصرية، وينتصر للضعفاء، ويعيد تعريف الانتماء الأخلاقي على أساس الإنسان لا اللون ولا الهوية ولا الوضع الطبقي.
إننا، إذ نعرض هذا الإطار القانوني والحقوقي، نؤكد أن الاتهام بالسرقة، مهما بدا خطيراً في نظر صاحب المال، لا يبرّر بحال من الأحوال ضرب العاملات أو تعنيفهن أو تفتيش أجسادهن أو متعلقاتهن الخاصة خارج الإجراءات القانونية المقرّرة. وأن صاحب المنزل الذي يختار أن يضع نفسه، ومن يستدعيهم، موضع الشرطة والقاضي، يتحمّل مسؤولية جنائية محتملة عن كل فعل اعتداء يقع تحت سمعه وبصره أو بتحريضه أو بمشاركته. كما نؤكد أن العاملات المنزليات أياً كانت جنسيتهن ووضعهن لهن حقوق كاملة في الشكوى، وفي الحماية، وفي التعويض عن أي ضرر يلحق بهن جسدياً أو نفسياً.
وعليه، فإن المرافعة القانونية أمام الرأي العام، قبل أن تكون أمام منصة القضاء، يجب أن تنطلق من مبدأ واضح: جسد العاملة المهاجرة ليس مباحاً لمجرّد أنها فقيرة أو لاجئة أو تعيش في بيت صاحب العمل؛ وكرامتها ليست أقلّ حصانة من كرامة ربّ البيت، والعنف الممارس عليها – تحت أي غطاء – يظل عنفاً مجرّماً، لا تُغيِّر اسمه لا الألقاب الاجتماعية ولا العبارات الدينية ولا محاولة تجميل الصورة بكلمة «ناس شغالين معانا» بدلاً من تسميته باسمه الحقيقي: اعتداء وبلطجة وتمييز، يجب أن يواجه بالقانون وبوعيٍ مجتمعي لا يساوم في الكرامة الإنسانية.




