
مهدي عبدالله حامد
تتداعى الأيام وتتشابه الفصول السياسية في تاريخ الشعوب السودانية، فما أشبه الليلة بالبارحة حينما ينهض المجد من مرقده ليصنع من ذكريات الماضي التليد منارة تضيء دروب الحاضر الصاخب، وكما إن كتابة التاريخ لا تتم بمحض الصدفة، وإنما تخطها دماء الأحرار وعرق الأوفياء الذين نذروا أنفسهم لقضايا الأرض والإنسان، في هذا السياق المتصل من الكفاح والنضال يتجلى إرث الحزب الاتحادي الديمقراطي كركيزة أساسية ضمن القوى الوطنية التاريخية التي وضعت لبنات الاستقلال الأول، ليمتد هذا النهر الاتحادي الجاري من العطاء مدفوعا بعبقرية الرواد والآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري، والشهيد الشريف حسين الهندي، ذلك الرمز الذي يمثل مدرسة فريدة في الوطنية والتجرد والتضحية من أجل رفعة المواطن، إذ أن هذا الإرث الباذخ لم ينقطع، بل يتجدد ويتجسد بحيوية بالغة في أعمال ثورة ديسمبر المجيدة، وميلاد دولة التأسيس الجارية الآن، حيث يقف القائدان الوطنيان، محمد عصمت يحيى رئيس الحزب الاتحادي الموحد، وإبراهيم الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي “الأصل” كامتداد طبيعي لتاريخ ناصع البياض، مكتوب بالعز والشرف في سجالات المجد السوداني.
إذ يقف هذان الرجلان اليوم بكل صدق وتفانٍ وإخلاص، ضمن دعامات وركائز تأسيس السودان الجديد، يعملان بهمة وعزيمة مع الرفاق في المجاميع الثورية والحزبية والمدنية الممثلة لكافة الأطياف تحت مظلة تحالف “تأسيس” العريض من أجل تخليص الوطن من براثن الفوضى والعبث، وقبر دولة الظلم والمحسوبية في مكب النفايات، بغية الانتقال نحو رحاب دولة المواطنة الفيدرالية التي تسع الجميع دون إقصاء أو تمييز.
جذور النضال وأصالة الإرث الاتحادي
إن قراءة المشهد السياسي الراهن تتطلب العودة إلى الينابيع الأولى للحركة الوطنية السودانية، حيث شكل الحزب الاتحادي الديمقراطي عبر التاريخ إحدى أضلع مقاومة الاستعمار الخارجي، حينما
كانت الحركة الوطنية تقود الجماهير بوعي ثاقب نحو انتزاع الحرية والسيادة الوطنية الكاملة، تجلت تلك العبقرية في مواقف الزعيم إسماعيل الأزهري الذي رفع علم الاستقلال عاليا، ولاحقا صاحب ذلك الحراك فكر تقدمي جسده الشريف حسين الهندي بمواقفه التاريخية الصلبة والتجرّد التام.
تعلمت الأجيال المتعاقبة من تلك المدرسة أن صون كرامة الوطن فرض عين على كل حر، وإن النضال ضد المستعمر البغيض أو المستعمر الداخلي لم يكن مجرد معركة سياسية عابرة في تاريخ البلاد، ولكنه بمثابة معركة وجودية تهدف إلى صياغة الهوية السودانية الخالصة على أسس متينة من العدالة، الأمر الذي يربط ماضي الآباء المؤسسين بحاضرنا اليوم ارتباطا عضويا لا يمكن الفكاك منه أبدا، كيف لا وقد ساهم الملهمون الأوائل وتركوا وراءهم إرثا فكريا ونضاليا غنيا يوجه خطى الجيل الحالي لتستلهم القيادات الشابة اليوم من الأزهري والهندي قيم الثبات على المبدأ والوضوح الفكري.
إن التشابه الكبير بين معارك الأمس واليوم يؤكد أن جوهر القضية السودانية لم يتغير، والاستعمار الخارجي الذي دحرته الإرادة الوطنية يتشابه تماما مع ممارسات الاستبداد الداخلي الحالية،
كلاهما يسعى إلى سلب الإرادة الشعبية وتجيير موارد البلاد لصالح فئات محدودة مستبدة.
يقف التاريخ شاهدا على أن الشعوب المتسلحة بالوعي قادرة على هزيمة كافة أشكال القهر، وبالضرورة يمثل الإرث الاتحادي المخزون الاستراتيجي الذي تستمد منه القوى الحية طاقتها لمواصلة الكفاح، حيث إن استدعاء ذاكرة التاريخ ليس من باب التغني بالماضي أو الوقوف عند أطلاله ولكنه استنفار لكافة الطاقات والوقائع التاريخية لإسناد معركة البناء والتأسيس المعاصرة بقوة، فلا غرو أن تتحرك القيادات الاتحادية اليوم وهي تستصحب هذا الإرث النضالي الفريد في كل خطوة، ويظل النضال الاتحادي صمام الأمان لوحدة تراب الوطن وسلامة نسيجه الاجتماعي المتنوع.
تشخيص الأزمة والوقوف في وجه الاستعمار الداخلي
يمر الوطن اليوم بمنعطف تاريخي خطير يتطلب تشخيصا دقيقا وعميقا لمكامن الخلل السياسي، بيد أن تتمثل الأزمة الراهنة في تمدد دولة المحسوبية والفساد التي دمرت مؤسسات الدولة القومية، وأنتج هذا الواقع المشوه حالة من الفوضى والعبث والمهددات الأمنية والاجتماعية الشاملة، مما قاد إلي تحول الاستبداد الداخلي إلى عقبة كأود أمام تحقيق تطلعات المواطن السوداني في العيش الكريم، سيما حول غياب الرؤية الوطنية الشاملة لدى النخب الحاكمة قادت البلاد إلى هذا النفق المظلم، وتحولت الدولة من خادمة للشعب إلى أداة لقهر الجماهير ونهب ثرواتهم ومقدراتهم.
تكررت ممارسات الإقصاء والتهميش التي ثارت ضدها أجيال الحركة الوطنية في الماضي، وأصبحت المحسوبية هي المعيار الأساسي لتولي الوظائف العامة وإدارة شؤون البلاد الاقتصادية، ونتج عن ذلك اضمحلال في كفاءة مؤسسات الدولة وتراجع مريع في مستوى الخدمات الأساسية.
يقف الزعماء محمد عصمت رئيس الحزب الاتحادي الموحد وإبراهيم الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الأصل في خط المواجهة الأول ضد هذا التردي وتفكيك هذه المنظومة الفاسدة برمتها، حيث يرى القائدان أن استمرار هذا الوضع يهدد بقاء الدولة السودانية نفسها ككيان موحد.
لذلك جاءت مواقفهما صارمة وقوية في رفض أي مساومات تهدر حقوق الشهداء والثوار، فلا يمكن بناء مستقبل مشرق للبلاد دون اقتلاع جذور الفساد والمحسوبية من أساسها،
وهنا الحكمة تقول إن “آخر الدواء الكي” والكي هنا هو التفكيك الكامل لمنظومة القهر.
فيجب وضع النقاط على الحروف دون مواربة أو مجاملة على حساب قضايا الشعب من أجل تشخيص هذا الخلل ضمن عملية تمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو صياغة الحلول الوطنية الناجعة والمستدامة، حيث تتلاحم جهود القوى الوطنية اليوم لإنهاء هذا العبث السياسي ووضع حد نهائي للفوضى إذ تثبت الأحداث اليومية أن دولة الظلم ساعة، ودولة الحق والعدالة مستمرة حتى قيام الساعة.
دور عصمت والميرغني في هندسة التأسيس الجديد
يتجلى الوفاء الحقيقي لإرث الآباء المؤسسين في المواقف العملية والشجاعة التي تشهدها الساحة الآن، حيث يقدم محمد عصمت يحيى رئيس الحزب الاتحادي الموحد نموذجا متميزا في القيادة الحصيفة ويتحرك بعزيمة لا تلين لتجميع الصف الوطني وتوحيد الرؤى حول قضايا التأسيس البنيوي، ويمتلك رؤية سياسية ثاقبة تنفذ إلى جوهر المشكلات وتقدم الحلول العلمية لها.
على الجانب الآخر، يبرز دور إبراهيم الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي “الأصل” إذ
يمثل الميرغني حيوية الشباب الممتزجة بحكمة التاريخ العريق لبيته وحزبه الوطني الكبير، فيقف الرجلان معا كأبرز دعامات وركائز تأسيس السودان الجديد في هذه المرحلة الحرجة، يجسدان التلاحم المطلوب بين أصالة المبادئ الاتحادية وتطلعات ثورة ديسمبر المجيدة المعاصرة، فيعملان بصدق وتفانٍ وإخلاص من أجل هدم دولة التمكين والمحسوبية وقبرها إلى الأبد.
لم يرتضيا مواقف الحياد السلبي، بل انحازا بشكل كامل وبلا شروط لقضايا الجماهير، يقودان حراكا فكريا وسياسيا واسعا داخل الأوساط الاتحادية والثورية لتوحيد مراكز القرار، حيث
يؤمن عصمت والميرغني بأن وحدة القوى المدنية هي المفتاح الأساسي لتحقيق التحول الديمقراطي، يسعيان بجدية لربط الممارسات السياسية اليومية بالقيم الأخلاقية والوطنية التي أرساها الهندي والأزهري.
يمثل وضوح موافقهما صفعة قوية لكل محاولات تفتيت وحدة الصف الاتحادي العريض، ويؤكدان في كل المحافل أن بناء الدولة السودانية الجديدة يتطلب تضافر كافة الجهود الوطنية.
لا مكان في مشروعهما السياسي للمصالح الحزبية الضيقة أو الطموحات الشخصية الصغيرة، وكما إن التزامهما الصارم بمبادئ الثورة يجعلهما محل ثقة واحترام لدى المجاميع الثورية.
يقدمان بوعيهما المتقدم وبصيرتهما النافذة قراءة دقيقة لمتطلبات مرحلة الانتقال المعقدة الحالية،
يضعان مصلحة المواطن السوداني البسيط في مقدمة أولويات مشروعهما السياسي والتأسيسي الشامل، يظلان نموذجا يحتذى به في التجرد والعمل الدؤوب من أجل عزة ورفعة شعوبنا السودانية
إن المخرج الحقيقي من الأزمة السودانية يتطلب بناء تحالفات سياسية عريضة ومتينة القواعد، وهنا يأتي الدور المحوري والمهم لتحالف “تأسيس” الذي يضم القوى الثورية والمدنية والحزبية، إذ يمثل هذا التحالف الوعاء الجامع لكافة مكونات وأطياف وشعوب الدولة السودانية المختلفة.
يلتقي في هذا الماعون الواسع المناضلون الأحرار مع القوى الاتحادية لصياغة العقد الاجتماعي الجديد للبلاد الذي يهدف بشكل أساسي إلى تخليص الوطن من براثن الفوضى والانهيار الشامل الحالي.
يسعى بجدية وعبر برامج واضحة ومحددة إلى الانتقال نحو رحاب دولة المواطنة المتساوية التي تجعل من الحقوق والواجبات أساسا للتعامل دون أي تمييز.
تعتمد الرؤية السياسية للتحالف على تبني النظام الفيدرالي كخيار أمثل لحكم السودان.
النظام الفيدرالي يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة بين كافة أقاليم وولايات البلاد.
ينهي هذا النظام عقوداً طويلة من التهميش الثقافي والاقتصادي والسياسي للمناطق الطرفية.
يسع السودان الفيدرالي الجميع ويتيح لكل منطقة إدارة شؤونها وتنمية مجتمعاتها المحلية بكفاءة.
يعمل الرفاق في هذا التحالف بروح جماعية يسودها الاحترام المتبادل والثقة التامة.
تتكامل الأدوار بين الخبرة السياسية للقيادات الاتحادية والحماس الثوري المتدفق للشباب.
يمثل تحالف “تأسيس” الرد العملي والقوي على أطروحات التجزئة والتفتيت الجهوي والقبلي.
يضع التحالف مواثيق واضحة تضمن مدنية الدولة وحياد مؤسساتها القومية والعسكرية تماما.
إن صياغة هذا المشروع الفيدرالي تمت عبر نقاشات عميقة ومستفيضة شملت كافة القواعد.
تتحطم على صخرة هذا الوعي التحالفي كل المؤامرات التي تحاك لجر البلاد للفوضى.
إن الطريق نحو الدولة الفيدرالية يتطلب وعيا مستمرا وعملا دؤوبا لا يعرف الكلل.
يمثل هذا التحالف بارقة الأمل الحقيقية لشعوبنا السودانية في بناء غد مشرق وآمن.
تظل دولة المواطنة الفيدرالية هي الهدف الأسمى والنهائي لبرامج التحرر والتأسيس المعاصرة.
في نهاية هذا المطاف الفكري والسياسي، نؤكد أن شمس الحق لا بد أن تشرق مهما طال ليل الظلم والاستبداد.
إن الشعوب السودانية التي فجرت ثورة ديسمبر المجيدة قادرة على إكمال مشوار الخلاص وبناء دولتها الفتية.
وكما قيل في الأثر الحكيم “ما ضاع حق وراءه مطالب” وحقوق هذا الشعب محروسة بوعي شبابه وعزيمة قادته الأوفياء، يقف محمد عصمت يحيى وإبراهيم الميرغني اليوم في طليعة هذا الحراك التاريخي، يحملان إرث الأزهري والشريف حسين الهندي بكل فخر وإعزاز، ويسيران بخطى ثابتة نحو المستقبل.
إن تحالف “تأسيس” يفتح الباب واسعاً أمام ولادة سودان جديد، سودان الحرية والسلام والعدالة، حيث تدفن المحسوبية والفساد في مزابل التاريخ، وترتفع راية المواطنة الفيدرالية الشاملة فوق كل ربوع الوطن، لتعلن بدء عصر جديد يتسع لجميع أبنائه وبناته دون إقصاء.




