دارفور تنزف من السماء: جيش الحركة الإسلامية يعيد تاريخه الدموي عبر الطائرات المسيّرة
إيمان التجاني

إيمان التجاني
لم تعد الهجمات الجوية التي تتعرض لها ولايات دارفور حدثاً عارضاً أو جريمة معزولة؛ بل أصبحت امتداداً مباشراً لتاريخ طويل من البطش، ارتبط باسم الجيش الخاضع لسلطة الحركة الإسلامية، الذي أثبت عبر عقود أنه يجيد قتل المدنيين أكثر مما يجيد حماية الوطن. وما يجري اليوم عبر الطائرات المسيّرة وخاصة المسيّرات التركية من طراز بيرقدارهو ترجمة حديثة لأدوات القمع ذاتها التي استخدمت ضد الشعوب السودانية منذ سنوات طويلة، من جبال النوبة إلى دارفور ومن النيل الأزرق إلى الخرطوم.
فالضربات التي استهدفت محلية كتيلا في جنوب دارفور، ومحليتي كتم وكبكابية في شمال دارفور، لم تصدر عن أي التزام بقانون أو أخلاق أو ضوابط عسكرية، بل كانت هجوماً مباشراً على سكان عُزّل في مناطق خالية من أي وجود لقوات الدعم السريع. هذا الاستهداف المتعمد للمدنيين يمثل جريمة حرب كاملة الأركان، ويعكس منهجاً ثابتاً اتبعه جيش الحركة الإسلامية منذ نشأته: القصف أولاً، ثم نفي المسؤولية، ثم تكرار الجريمة دون رادع.
إن التاريخ القريب والبعيد يشهد بأن هذا الجيش لم يتورع يوماً عن ارتكاب المجازر. فقد استخدم الطيران الحربي في السابق لإبادة القرى، والقنابل الحارقة لتهجير السكان، والميليشيات لزرع الرعب، وها هو اليوم يستخدم الطائرات المسيّرة—الأكثر دقة والأشد فتكاً—لإعادة إنتاج المشهد ذاته: دماء تتناثر، منازل تُسوى بالأرض، وأسر تختفي تحت الرماد.
إن هذه الهجمات ليست أخطاء أو تجاوزات فردية، بل سياسة منظمة تستهدف كسر إرادة المجتمعات المحلية ومعاقبة الشعوب التي طالبت بالحرية. وما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل فإن المجازر ستتواصل بوتيرة أكبر، مستفيدة من الصمت العالمي الذي يُمنح لمرتكب الجريمة، لا لضحاياها.
ومن هنا، تأتي الدعوة الملحّة إلى الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، والآليات الدولية كافة، للتحرك الفوري لوقف شلال الدم في دارفور وبقية أنحاء السودان، وفرض أقسى العقوبات على قيادة هذا الجيش الذي جعل من المدنيين أهدافاً مشروعة لطائراته. فلا يمكن للعالم أن يتحدث عن حماية حقوق الإنسان بينما يُترك الأطفال والنساء في دارفور فريسة لصواريخ مُسيّرات تُدار من بعيد.
كما أصبح ضرورياً—وليس مجرد خيار سياسي—النظر في تصنيف جيش الحركة الإسلامية منظمة إرهابية، بناءً على سلوكه المتكرر، واستهدافه المنهجي للمدنيين، واعتماده على أساليب القتل العشوائي والقصف العابر للحدود القانونية والأخلاقية. فالتنظيمات التي تمارس الإرهاب لا تُعرّف نفسها بالشعارات، بل بأفعالها، وأفعال هذا الجيش تقدّم الأدلة الكافية لإدراجه ضمن أخطر الجهات على الأمن الإقليمي والدولي.
إن دارفور لا تحتاج بيانات جديدة، بل تحتاج حماية فعلية. وما لم يتخذ العالم خطوات صارمة، فإن سماء الإقليم ستبقى مسرحاً لمزيد من الجرائم. والشعوب التي تستهدف اليوم بطائرات المسيّرات ستظل تذكّر العالم بأن الصمت على القتلة مشاركة صامتة في الجريمة، وأن العدالة وحدها هي التي يمكن أن تضع نهاية لهذا الإرث الدموي.




