
خضر كوة
ليس أخطر من دولةٍ فشلت… إلا أن يُقنعوك أن فشلها قدرك. جدار يتصدّع… ووطن يبحث عن صورته ربما كان أخطر ما فعلته الدولة الوطنية أنها جعلتنا نحبها أكثر مما أحببنا أنفسنا،
أن نخاف عليها أكثر مما خفنا على إنسانها،
أن نصدق أن الخراب من حولنا مؤامرة من البعيد، لا نتيجة لأقرب الأيدي إلينا.هكذا صرنا نحرس جداراً يتصدّع،
ونغني لوطنٍ لم يرَنا جميعاً في مرآته.الوطن الذي لا يراك، لا يدافع عنك حين تسقط، بل يسقط معك صامتاً. بين أوهام المؤامرة ومرآة الذات حين يتحدث بعض مثقّفي المركز عن المؤامرة الإمبريالية،
يظنون أنهم يُنقذون الوطن، لكنهم في الحقيقة يُطيلون عمر الوهم.
فالوهم لا يسكن الغرب، بل يسكن داخل العقول التي تخاف النظر في المرآة.الغرب لم يقسم هذا البلد، ولم يزرع فينا العلوّ والعنصرية،
لكن النخب التي خرجت من رحم الاستعمار أعادت إنتاجه بأسماءٍ جديدة،
وضعت المركز في مقام السيد،
وجعلت الهامش زائراً أبدياً للخراب.الاستعمار انتهى في الخرائط، لكنه بقي في العقول. السيادة لا تُبنى على القهرإن الذين يتحدّثون عن “السيادة الوطنية” ينسون أن السيادة لا تُبنى على القهر،
ولا على صمت المقهورين،
ولا على دماء من لم يُحسبوا يوماً مواطنين كاملي الإنسانية.وحين تتحول الدولة إلى صنمٍ يُعبد لا يُسأل،
تكون أول صفات المواطنة هي الطاعة… لا الكرامة. متى نتوقف عن التآمر على أنفسنا؟في هذه اللحظة،
ليس السؤال من تآمر علينا… بل متى سنتوقف عن التآمر على أنفسنا؟أن نواجه الحقيقة البسيطة:
ما نراه اليوم من انقسامٍ وانهيار،
ليس مؤامرة، بل ثمن لتاريخٍ طويلٍ من الإنكار.الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في داخل كل خوف لم يُكسر بعد. الخروج من النفق… ولادة جديدة للوطنالخروج من نفق “الدولة الوطنية” لا يعني كراهية الوطن،
بل حبَّه بطريقةٍ أصدق.أن نعيد تعريف الوطن لا كسلطةٍ أو عَلَم،
بل كإنسانٍ حُرٍّ على أرضٍ عادلة.أن ندرك أن السودان الحقيقي ليس في الخرطوم وحدها،
بل في القرى التي لم تعرف الكهرباء،
وفي لغاتٍ لا تُدرَّس لكنها تُنطق بالكرامة. السودان الجديد… وعي قبل أن يكون دولةالسودان الجديد ليس شعاراً سياسياً،
بل حالة وعي تتجذّر في القلوب.هو وعدٌ بأن تُرفع الكلمة فوق العِرق،
وأن يُقاس الانتماء بالعدل لا بالقبيلة.هو ثورة صامتة في داخل كل من تعب من الخوف والخداع.الوعي هو الخطوة الأولى نحو الحرية،
والحرية هي أول الطريق نحو الإنسان. خاتمة: نداء من تحت الرماد”كل ما احترق يمكن أن يولد من جديد… إن وجدت إرادة الحياة.”آن لهذا الوطن أن ينهض من بين أنقاض الأكاذيب،
أن يخلع جلده القديم الذي خُيِّطَ من الخضوع والخوف.كفى ترديداً لأناشيد الدولة التي ظلمت أبناءها ثم طالبتهم بالولاء.
كفى سجوداً لرايةٍ لم تظلّل إلا الظلم.
كفى صمتاً باسم الوطن حين يقتل الوطن أبناءه. السودان لا يُحمى من الخارج… بل يُحرَّر من الداخلمن يقول الحقيقة لا يخون،
ومن يفضح الظلم لا يهدّم الوطن.لا وطن بلا عدالة،
ولا علم يرفرف فوق جثث الجياع،
ولا وحدة تُبنى على طمس التنوع،
ولا سيادة لمن يجلد شعبه ويكذّب ذاكرته. أبناء الأرض… أنتم المركزيا أبناء السهول والجبال والمرافئ،
يا من حملتم الحروب على أكتافكم وصبرتم حتى نفد الصبر،
يا من حوّلتكم الدولة إلى هامشٍ كي تلمع صورتها في مرآةٍ مشروخة:اعلموا أنكم أنتم المركز الحقيقي.
أنكم نواة الوطن القادم.
وأن التاريخ لا يُكتَب من مكاتب النخبة،
بل من صيحات الأرض حين تُسكَتُها المدافع. لا مؤامرة… بل يقظةليس في الأمر مؤامرة، بل يقظة.
وليس في الخروج من عباءة الدولة القديمة خيانة،
بل خلاصٌ من عبادة الزيف.فلتنهضوا كما تنهض الأرض بعد المطر:
مبللة بالوجع، لكنها موعودة بالخصب.اخلعوا القيود عن أرواحكم،
وافتحوا نوافذ الفكر على هواءٍ جديد،
وقفوا في وجه الخوف كما يقف الضوء في وجه الظلام.الحرية لا تُمنح… الحرية تُنتَزَع. “سيكتب هذا الجيل النهاية الحقيقية للدولة القديمة،وسيفتح الصفحة الأولى للدولة التي يشبه وجهها وجه إنسانها.”النضال ليس شعاراً… بل طريقٌ نحو ضميرٍ ينهض من تحت الرماد.
وحين يولد ذلك الضمير،
سيولد السودان من جديد — جميلاً، عادلاً، حُرّاً،
بلا خوفٍ… وبلا مركز….



