
هشام محمد شريف
لم تكن الهوية السودانية يوماً مجرد حقيقة ثابتة تُروى، بل كانت باستمرار حلبة صراع بين قوى متعددة: الاستعمار الذي رسم خرائط ذهنية مسمومة، المستشرق الذي صاغ “معرفة” عن الشرق والجنوب، والنخب الوطنية التي ورثت أدوات هذا التزييف وسلطتها. إن التحدي الذي يواجه السودان اليوم، في خضم حرب تمزق نسيجه، هو تحدٍ وجودي بقدر ما هو معرفي. كيف يمكن بناء حاضر آمن ومستقبل عادل، إذا كان الماضي نفسه مُزيّفاً، والذاكرة مُسرَقة؟
تشكيل المخيال الاستعماري
لطالما نظر المستشرقون والإداريون الاستعماريون إلى السودان باعتباره فضاءً “هجيناً” و”متخلفاً” يحتاج إلى الإدارة والتصنيف. هنا لم تكن المعرفة محايدة، بل كانت أداةً للسلطة؛ فقد صاغت الدارسات الاستشراقية مفهوم “الشرق” ككيان منفصل وغامض، لتبرير مشاريع الهيمنة والسيطرة.
في السودان، تجلى هذا التشكيل المعرفي بوضوح من خلال ما يُعرف بـ “الاستشراق الإفريقي”. فقد راهن الإداريون البريطانيون على سياسات “فرِّق، أعد تصنيف (الآخر)، تسيَّد” . لم يكتفوا بإدارة البلاد عسكرياً، بل شرعوا في هندسة اجتماعية عميقة: تم تفكيك الهوية الجامعة و”تجزئتها ووعائها” في عدد من الهويات الإثنية “القبلية” المصغرة. بمعنى آخر، تم تحويل السودانيين من مواطنين في فضاء ثقافي متشابك إلى مجموعات “عرقية” منعزلة يمكن التحكم بها بسهولة أكبر.
“فرِّق تسُد” وإرث الخرائط الهوياتية
كانت ذروة هذا المشروع هي ترسيخ الانقسام الثنائي بين “شمال عربي/إسلامي” و”جنوب إفريقي/وثني”. هكذا رأى الاستعمار السودان، وكأنه بلد منفصل بالكامل في طبيعته. حتى في مجال التخطيط الحضري، كما هو الحال في الخرطوم، سعى البريطانيون “لقمع وإعادة بناء وتحويل هوية الرعايا السودانيين”.
هذه السياسات، التي تُوجت بـ “إغلاق المناطق” (Closed District Ordinances) ، لم تخلق فقط مسافة جغرافية، بل بنت حواجز نفسية واجتماعية عميقة بين أجزاء البلاد. لقد سلّمت الإدارة الاستعمارية وراءها إرثاً انقسامياً ساماً، قائماً على هويات “سياسية” مزروعة بعناية وفق خطوط دينية وعرقية وإثنية.
النخب الوطنية وانتخاب الماضي المسؤول
مع الاستقلال عام 1956، بدا أن السودان يمتلك فرصة تاريخية لبناء هوية جامعة، تستند إلى إرثه الحضاري العميق الذي يمتد لآلاف السنين. لكن النخب السياسية التي تسلّمت الحكم، بدلاً من تفكيك الإرث الاستعماري، اختارت تبنّي سياساته وإعادة إنتاجها طواعيةً.
كان إصرار هذه النخب على فرض هوية “عربية-إسلامية” ثقافية وحيدة، بمثابة تكريس للتصورات الاستعمارية ذاتها في قالب جديد. وهكذا، تحول “العرب” و”الإفريقيون” إلى فئتين سياسيتين متناحرتين، بعد أن كانتا جزءاً من نسيج اجتماعي واحد متفاعل لقرون. لقد تبنّى الساسة السودانيون، بوعي أو بغير وعي، “عدسات” المستشرقين والمستعمرين لينظروا بها إلى شعبهم وبلدهم.
حرب الذاكرة: انهيار متعمد للوجود
اليوم، لم تعد أزمة الهوية مجرد جدل فكري، بل حرب مدمّرة تُشن على الذاكرة نفسها. منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، تعرضت أكثر من 20 متحفاً وموقعاً أثرياً للنّهب أو التدمير؛ فُقِدت آلاف القطع الأثرية، بما في ذلك مقتنيات المتحف الوطني بالخرطوم الذي نُهب منه أكثر من 60% من محتوياته.
هذا ليس مجرد تدمير عابر، بل هو محاولة ممنهجة لطمس الهوية، “تقويض أسس الوحدة الوطنية” عبر قطع الصلة بالماضي المشترك. عندما تُسْرَق الذهبيات والآثار، عندما تُحرق السجلات والمخطوطات، لا يُسرَق شيء من الماضي فقط، بل يُسرَق حق الأجيال القادمة في معرفة نفسها.
إن مستقبل السودان مرهون، إذاً، ليس فقط بوقف إطلاق النار، بل بمعركة فكرية أعمق: معركة تحرير التاريخ من قيود الاستعمار والاستبداد. يتطلب بناء وطن دائم، وطن يسع الجميع، الاعتراف بأن مشكلة السودان لم تك يوماً تعارض عروبته وإفريقيته، بل كانت في أدوات التصنيف والتهميش نفسها التي زرعها أعداء الأمس وتبناها أبناء اليوم. فتحرير المستقبل يبدأ أولاً بتحرير الماضي.




