رأي

النفط أسير الحرب: تداعيات السيطرة على هجليج تعيد رسم خريطة الصراع

عادل تاج الدين جار النبي

 

نبض قلم … عادل تاج الدين جَارَالنبي 

تشير سيطرة قوات الدعم السريع على مناطق حقول النفط في هجليج إلى تطور بالغ الحساسية في مسار الحرب السودانية، إذ تنتقل المعركة لأول مرة من ساحات المدن والمعسكرات إلى قلب الموارد السيادية التي تقوم عليها الدولة. فهجليج ليست مجرد رقعة جغرافية في جنوب كردفان، بل هي شريان اقتصادي يمثل ما تبقى من قدرة السودان على التنفس وسط أزماته المتلاحقة، وأي طرف يمسك بها يضع يده على مصدر قوة لا يمكن تجاهله سياسيًا أو عسكريًا.

خروج الحقول من يد الدولة يفاقم الأزمة الاقتصادية المتدهورة أصلًا. فالإنتاج النفطي ليس رفاهية، بل عصب أساسي للموازنة العامة، ومع توقفه أو وقوعه تحت سيطرة قوة خارج مؤسسة الدولة، يجد السودان نفسه أمام موجة جديدة من الانهيار: تراجع في الإيرادات، ضغط متزايد على العملة، اتساع رقعة الغلاء، وتراجع قدرة الحكومة على تسيير الخدمات أو دفع الرواتب. إنها ضربة موجعة في توقيت لا يحتمل مزيدًا من الارتباك الاقتصادي أو الاجتماعي.

على الصعيد العسكري، تكشف تطورات هجليج عن تقدم نوعي في تكتيكات الدعم السريع، الذي نجح في الوصول إلى واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في البلاد. هذا النجاح لا يمنحه فقط مساحة نفوذ جديدة، بل أيضًا موردًا ماليًا قد يطيل أمد الحرب، ويجعل أي محاولات للتفاوض أكثر تعقيدًا. وفي المقابل، تتلقى المؤسسة العسكرية ضربة معنوية قاسية، إذ يعيد الحدث طرح السؤال الكبير: كيف عجز الجيش عن حماية أهم أصول الدولة الحيوية؟

وتتجاوز التداعيات حدود السودان الداخلية نحو محيطه الإقليمي. فجنوب السودان يعتمد اعتمادًا شبه كامل على خطوط نفط تمر عبر هذه المناطق، وأي تهديد لها يضع جوبا في موقف اقتصادي وسياسي حرج. وقد يدفع ذلك إلى تحركات دبلوماسية مكثفة أو ضغوط مباشرة لضمان استمرار تدفق النفط، ما يجعل السيطرة على هجليج ورقة ضغط تتجاوز الأطراف المحلية.

أما دول الجوار والقوى الدولية، فتنظر بقلق بالغ إلى وقوع أحد أهم الموارد الاستراتيجية في المنطقة تحت سيطرة قوة غير نظامية تخوض حربًا مفتوحة. مثل هذا التطور قد يدفع نحو مواقف أكثر حزمًا، سواء عبر العقوبات أو من خلال مبادرات سياسية تهدف إلى فرض ترتيبات آمنة حول الحقول لضمان عدم تحويل النفط إلى وقود للصراع.

في المحصلة، تبدو سيطرة الدعم السريع على هجليج أكثر من مجرد تقدم عسكري؛ إنها لحظة مفصلية تكشف حجم التصدعات التي أصابت مؤسسات الدولة، وتؤشر إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة لا تقتصر على الميدان، بل تمتد إلى اقتصاد البلاد واستقرار الإقليم. إنها رسالة واضحة بأن السودان يقف على أعتاب أزمة مركبة، وأن استعادة التوازن لن تكون ممكنة دون تسوية سياسية شاملة تعيد للدولة سيطرتها، وللموارد السيادية دورها الطبيعي في خدمة الشعب لا في تغذية الحرب.

الجمعة الجامعة ١٢/١٢/٢٠٢٥

دالاس/تكساس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!