
لواء ركن د. مهدي الأمين كبه آدم
شهدت مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، تحوّلاً نوعياً في المزاج الشعبي بعد تحرير المدينة، مع خروج تظاهرات واسعة ضد حكومة عبد الفتاح البرهان، وتأييد صريح لحكومة تاسيس. الفاشر، المدينة الرمزية والتاريخية التي كانت مركز حكم السلطان علي دينار، أصبحت اليوم منبرًا يعبّر عن رفض استمرار السلطة المركزية التقليدية، وعن تطلع المجتمع المحلي إلى بديل سياسي يعكس إرادة الشعب.
المظاهرات في الفاشر ليست مجرد احتجاجات عابرة، بل مؤشر على تآكل ما تبقى من الشرعية السياسية والعسكرية لحكومة البرهان. الرسالة واضحة: لم تعد الدولة المركزية قادرة على حماية المواطنين أو توفير الأمن والخدمات الأساسية، وفشل الجيش في إدارة الأزمة أدى إلى فقدان أي شرعية شعبية، وأثبت أن الصراع القائم ليس صراع دولة، بل صراع سلطة.
تأييد المتظاهرين لحكومة تاسيس يعكس إدراك المجتمع المحلي لوجود بديل سياسي صادق قادر على تحقيق السلام والخدمات، ومشروع إنهاء الحرب. هذا التوجه الشعبي يُرسل رسالة واضحة للحركات المسلحة: المجتمعات المحلية تراقب أداءكم، ولم يعد السلاح مصدرًا للشرعية السياسية.
على المستوى الإقليمي، تشير تحليلات دول الجوار والاتحاد الأفريقي ومجلس الإيقاد إلى أن الأزمة في دارفور لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل قضية اجتماعية وسياسية شاملة، وأن الحل العسكري فشل، ما يستدعي التفكير في تسوية سياسية عاجلة. الفشل المستمر لحكومة البرهان يجعل من الضروري دعم مسار إنساني مستقل عن سلطة الخرطوم، لضمان حماية المدنيين وتثبيت الاستقرار.
دوليًا، تكشف مظاهرات الفاشر عن سقوط سردية الجيش كحامي للدولة، وانعدام قبول شعبي للبرهان. المدينة تؤكد بوضوح أن الدولة المدنية هي الطريق الأمثل، وأن التفكير الاستراتيجي يجب أن ينصب على بناء حكم جديد يقوم على المشاركة الشعبية وحماية حقوق المواطنين، بعيدًا عن الاستمرار في منطق القوة العسكرية.
استراتيجيًا، ما حدث في الفاشر ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على انتقال الصراع من ساحة المعركة العسكرية إلى ميدان الشرعية الشعبية. الشعب أثبت أنه قادر على حماية نفسه وإدارة شؤونه، وأن الشرعية الشعبية تمثل أداة حقيقية لإنهاء النزاع وتحقيق الاستقرار.
إن تحرك الفاشر الشعبي يعكس رؤية واضحة: لا مستقبل للسلطة القائمة إذا لم تعكس إرادة المواطنين، ولا استقرار حقيقي دون مشاركة مجتمعية فعالة. التظاهرات اليوم تؤكد أن الشرعية الحقيقية لم تعد في بنادق الجيش، بل في إرادة الشعب ومشروع الدولة المدنية التي تقودها حكومة تاسيس، كخيار واقعي لحماية الناس وإنهاء الحرب في دارفور والسودان بأسره.



