
أبو عبدالله الراشدي
قضية أميرة قرناص لم تكن مجرد حادثة عابرة أو قصة شخصية مثيرة للجدل، بل نافذة تكشف الوجه الخفي لمنظومة حكم السودان لعقود. منظومة لم تكتف بالسلطة السياسية، بل امتدت لتشمل المال والدبلوماسية وحتى النفوذ الدولي، محوّلة الدولة إلى ملعب لمصالح خاصة، مستخدمة مشاريع التنمية والمساعدات الإنسانية غطاءً لغسيل أموال ضخمة.
ما كشفه الدكتور الوليد مادبو عن قرناص لم يكن مجرد مقال صحفي؛ بل كان إضاءة على شبكة مصالح مترابطة تضم مسؤولين كبارًا سابقين وحاليين، يستخدمون الحصانة الدبلوماسية لتجنب المساءلة. هذه الحصانات لم تُمنح للوطن أو للتاريخ، بل لحماية مصالح شخصية داخل شبكة فساد متغلغلة على المستويين المحلي والدولي.
الفساد الذي تورطت فيه قرناص لم يكن نادرًا أو عابرًا، بل نمطًا متكررًا يفضح هشاشة مؤسسات الدولة وغياب الرقابة والمساءلة. فمن خلال النفوذ السياسي والدبلوماسي، كانت قرناص قادرة على تحويل المشاريع التنموية إلى سوق ربحية، توجيه الأموال بعيدًا عن مستحقيها، وتحويلها إلى جيوب محددة، مستغلة مواقعها في وزارة الخارجية وعلاقاتها مع وزراء سابقين.
الغريب أن ردود الفعل الإخوانية لم تكن مفاجئة. محاولة استدعاء القضاء القطري لملاحقة مادبو ليست سوى محاولة لتصوير كشف الحقيقة على أنه هجوم شخصي، وكأن فضح شبكة فساد عالمية يمثل جريمة. مادبو لم يتحدث عن شائعات، بل عن ملفات موثقة ووقائع يعرفها السودانيون، لكنهم غالبًا ما يخشون ذكرها خوفًا من الانتقام أو التأثير السياسي.
ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة هو أن قرناص لم تكن مجرد موظفة؛ بل عقدة بين السلطة، المال، والاستخبارات، والفساد العابر للحدود. أي مساءلة لها أو كشف لممارساتها يؤدي بالضرورة إلى اهتزاز شبكة كاملة من النفوذ والمصالح، وهذا ما يفسر الهلع الذي أصاب الإخوان والمستفيدين من منظومة التمكين.
الوليد مادبو، بخبرته في السياسة والإدارة، لم يكتب مقالًا انتقاميًا، بل كشف الحقيقة المُرّة: شبكة تحمي نفسها بالحصانات، وتستغل الدبلوماسية لتمرير مصالح خاصة، بينما يدفع الشعب ثمن الإهمال والفساد.
الأدهى من ذلك أن الإخوان الذين دمروا سمعة الآخرين بلا رحمة عبر وسائل إعلامهم ومنابرهم الإلكترونية، أصبحوا اليوم يندبون حظهم ويعتبرون نقدهم “جريمة”، في حين أن الواقع يشهد أن الشخصية العامة ليست فوق المساءلة، وأن مسؤوليات الدولة تتطلب الشفافية والمحاسبة.
قضية قرناص هي مفتاح لفهم أكبر: كيف يمكن لشخص واحد في موقع دبلوماسي أن يكون جزءًا من شبكة فساد متشابكة تمتد عبر الخرطوم ودول العالم، وكيف أن حماية مصالحها الشخصية على حساب الوطن كانت ممكنة فقط عبر الفساد النظامي واستغلال المناصب.
في النهاية، هذه القضية ليست مجرد فضيحة فردية، بل دعوة لإعادة النظر في بنية السلطة في السودان، وإثبات أن الشفافية والمساءلة هما السبيل لإعادة الدولة لمواطنيها. والشعب السوداني يستحق معرفة الحقيقة، والعيش في وطن تحكمه العدالة والمحاسبة، بعيدًا عن الفساد وغسيل الأموال.
إن صوت الوليد مادبو سيبقى عاليًا، وسيظل كشفه للحقائق أسرع من محاولات التعتيم، لأن الحقيقة، مهما حاول البعض إنكارها، دائمًا تجد طريقها إلى النور.




