رأي

هل يكتب النوبة نهاية نفوذ المركز في الجبال؟

علي سانتينو

 

علي سانتينو

ما يجري اليوم في كادقلي والدلنج ليس أزمة عسكرية، هو لحظة فاصلة تكشف من يقف مع جبال النوبة ومن يختبئ خلف شعارات المركزية ليزج بأبناء المنطقة في حرب لا جمل ولا ناقة لهم فيها. المشهد أوضح ان الحركة الشعبية وقوات تأسيس توجه إنذاراً مباشراً بإخلاء مدن الجبال وتسليمها بلا قتال، بينما أبناء النوبة داخل الفرقة 18 يقفون بين خيارين، إما أن ينحازوا تماماً لجغرافيا الجبال وتاريخها، أو أن يستمروا في حمل أجندة شمس الدين كباشي والبرهان، ويدفعون ثمناً باهظاً لا يدفعه هؤلاء الجنرالات ولا من أبناء أسرهم المترفه في نعيم السلطة.

هؤلاء الجنود يعرفون قبل غيرهم أن البرهان وكباشي لم يروا جبال النوبة إلا كخط دفاع رخيص تبقيهم على الكراسي وتمجد سيرتهم العسكرية، حيث لم تُحسب كادقلي يوماً ضمن أولوياتهم، ولم تُعامل الدلنج إلا كقاعدة عسكرية مُهملة تُستخدم وقت الحاجة. اليوم فقط تُطالب هذه القيادات أبناء النوبة بالصمود أمام الموت لا لأن الجبال تهمهم، بل لأن سقوط الفرقة 18 ستُحرجهم سياسياً أما الدم الذي سيُراق فهو دم أبناء النوبة وحدهم، ولذلك يبرز السؤال الأهم، هل يفعلها أبناء الجبال ويسلمون الفرقة دون قتال، هل يقرر النوبة أن كرامة الجبال أهم من إرضاء مركز لا يكترث بموتهم، وهل ينحازون للأرض وللناس ام للرتب التي لم تمنحهم سوى الموت والدمار؟

إن استجابة الجنود من أبناء الجبال لنداء الحركة الشعبية لن تكون خطوة عسكرية فقط، ستكون زلزالًا سياسياً يهز قلب بورتسودان، خطوة كهذه إن حدثت ستكتب لأول مرة في تاريخ السودان أن أبناء المناطق المهمشة كسروا قبضة السلطة المركزية دون إطلاق رصاصة واحدة على رقابهم، وستكون هذه الخطوة أول ضربة موجعة للمؤسسة العسكرية التي تستخدم أبناء الأطراف كجنود بينما تستثنيهم من أي سلطة أو حق!

السيناريو التاريخي المحتمل ليس تجنب معركة، بل إنقاذ لمدن كاملة من التشريد والدمار. إذا سلّم الجنود الفرقة 18 دون قتال، فإن كادقلي ستُرد، والدلنج ستبقى واقفة، والطرق لن تمتلئ بالنازحين، ولن تُهدم البيوت فوق رؤوس سكانها كما حدث في مناطق أخرى، وبهذا سيكون أبناء النوبة قد اختاروا مستقبل أهلهم بدل حماية سلطة لا تعترف بآلامهم، أما إذا تمسك أبناء النوبة داخل الجيش بأجندة البرهان وكباشي، وقرروا المواجهة مع الجيش الشعبي وقوات تأسيس، فسيكونون الخاسر الأول، ولن يبكي المركز على أحد منهم، ولن يعترف بتضحياتهم، ولم تذكر أسماءهم إلا في نشرات الأخبار. أما القرى والمدن في جبال النوبة، فستدفع الثمن الأكبر. فهي معادلة معلومة للجميع، فكلما خسر النوبة بعضهم ربح المركز مزيداً من الوقت والهيمنة!

اليوم تُختبر إرادة الجنود من كانوا داخل الجيش واليوم كذلك يعرف أبناء الجبال ما إذا كانوا مجرد جنود مأمورين أم رجالًا قادرين على كتابة صفحة سياسية لم يسبقهم إليها أحد.واليوم يمكنهم أن يقولوا لسلطة بورتسودان لن نقاتل من أجل مصالحكم. وإن حدث هذا السيناريو فستكون ضربةً موجعة لقيادات الجيش المرتبطة بالحركة الإسلامية من أمثال شمس الدين كباشي، التي لطالما رأت في جبال النوبة حائط صد لازمات المركز، ستكون لحظة انهيار حقيقي لأسطورة المركز الذي يحرك الأطراف كقطع الشطرنج. وستكون البداية الحقيقية لاستعادة الجبال قرارها المستقل وقيمتها السياسية. ان الفرصة أمام الجنود الآن وقد لا تتكرر مرة أخرى، فإما أن يسجلوا واقعة غير مسبوقة في تاريخ السودان، أو يُعاد إنتاج ذات المأساة التي نزفت منها الجبال لعقود طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!