رأي

الرأي اليوم..شرعية إقصاء حزب المؤتمر الوطني حتى نفرز البيض من الحميض

صلاح جلال

 

 صلاح جلال

(١)

كتب دكتور معتصم الأقرع مقال طويل عريض بعنوان

الإسلاميون بين الدمج والإقصاء: نمو ديمقراطي أم مواجهة دموية صفرية؟ موظفاً كل أدوات الخلط والتحايل والغزل في قوة الإسلاميين وسلامة صحيفتهم السياسية مجهود لتسويق فكرة خطأ إقصاء حزب المؤتمر الوطني من طرف حكومة الثورة وإجازة قانون بذلك باسم شرعية الثورة التي أسقطته، وبلغ به الحماس في باب المدح والغزل أن أفرد دور للإسلاميين في استقلال السودان في الوقت الذي كانت فيه حركة الإخوان في السودان جنين خديج بقيادة علي طالب الله والصادق عبدالله كانت في ذلك الوقت إذا غابت لا يسأل عنها وإذا حضرت لا تستشار. نفتح نقاش مع الأقرع حول شرعية تصرف حكومة الثورة بحل حزب المؤتمر الوطني وحظره بالقانون الذي مازال سارياً ودعمته كل قوى الثورة بلا استثناء.

أولاً د. الأقرع تعمد الخلط بين الكيزان (الإسلاميين) وحزب المؤتمر الوطني بهدف التركيز على حرية الفكر والتعبير.

ثانياً يجب توضيح الفرق بين الإقصاء التعسفي والإقصاء الطبيعي وأهدافه.

(٢)

ما قامت به الإنقاذ في بداية التسعينات بعد جريمة الانقلاب على النظام الديمقراطي، من مصادرة الحريات وكل أدوات الفضاء العام من أحزاب ونقابات وصحافة ومجتمع مدني، هو مثال ساطع للإقصاء التعسفي، أما الإقصاء الطبيعي فهو اختلاف القوى التي يتم إقصاؤها عن طبيعة وقوانين الفضاء العام، مثلاً تكوين عصابة في شكل حزب وإغلاق الفضاء له منفرداً يرعى في كل مؤسسات الدولة كيفما شاء وأراد تحت قيادته كل المؤسسات الأمنية.

(٣)

بعد ثورة ديسمبر المباركة حزب المؤتمر الوطني تم إقصاؤه لأنه حزب سياسي مسلح نشأ في بيئة غير طبيعية، مندمج في كل مؤسسات الدولة ومسيطر عليها، وسطا على كل أجهزة الدولة الأمنية وحولها إلى أدوات حزبية تسند برامجه وتدعم أهدافه، وكذلك سطا بغير مشروعية على المال العام وأصبح حزب المؤتمر الوطني أداة الجريمة لكل الانتهاكات المرتكبة في تلك الحقبة.

لذلك إقصاؤه، الذي رفضته د. الأقرع، وضع طبيعي لحزب مصنوع ليتم تجريده من الحمولة الأمنية والمال الحرام، وعدم قبول اسمه القديم لأنه كان أداة الجريمة ويشكل استفزازاً للضحايا. استمرار اسمه بعد ثورة شعبية عليه هو غير المألوف. نسأل الآن أين الأحزاب التي أطاحتها ثورة في أوروبا الشرقية أو في مصر أو تونس أو ليبيا أو العراق أو سوريا، لماذا لم ترفع هذه الأحزاب السلاح لتدافع عن حقها في البقاء بعد الثورة؟ حزب المؤتمر الوطني مات موت طبيعي ودفن لن يعود بعد ثورة ديسمبر المجيدة، حتى إذا دبجت له مائة قصيدة تعظيم وتهديده للشعب، إذا لم تعيدوه من المقابر فأبشروا بالحرب.

(٤)

المطلوب موضوعياً ليعود حزب المؤتمر الوطني من المقابر للحياة العامة أن يتم تطهيره من الأجهزة الأمنية وتجريده من السلاح وفصله عن الدولة، ومحاكمة كل رموز الفساد المنتمية له، وتجريدها من أي كسب حرام، وإنهاء دولة الحزب لتفسح المجال لدولة الوطن. هذا هو معنى الإقصاء الطبيعي، وهو لا علاقة له بحرية الرأي أو حرية التفكير أو الاعتقاد، ولا توجد صلة نسب بينهم.

بعد هذا التطهير، فليعود حزب الكيزان باسم جديد وأفكاره القديمة في فضاء يحكمه الدستور والقانون بحجمه الطبيعي وأدوات العمل الديمقراطي الطبيعية.

القضية الثانية لابد من الاستفادة من التاريخ، فالنازية في ألمانيا صعدت للسلطة بأدوات العمل الديمقراطي وغيرت طبيعتها وتحولت لفاشية قهرت الألمان وأشعلت الحرب العالمية، وكذلك فعلت الجبهة القومية الإسلامية، كما أشار د. الأقرع، كانت جزءاً من النظام الديمقراطي، وفي منتصف المشوار قررت تغيير قوانين اللعب والسيطرة على السلطة بشرعية القوة والمغالبة بالخديعة، مما يستدعي معاقبة فريقها السياسي مثل حكم مباراة لكرة القدم عندما يلمس لاعب الكرة بيده تحسب عليه ضربة جزاء. بمعنى لابد من درجة من الحماية لقواعد الممارسة الديمقراطية بالقانون حتى لا تصبح الممارسة السياسية فوضى تخضع لتقديرات جائرة.

(٥)

ختاماً، بعد هذا التحرير لضرورة حظر حزب المؤتمر الوطني لا غبار على د. الأقرع أن ينتمي لهم أو لا ينتمي، هذا شأنه، ولكن ما نطالب به هو إقصاء طبيعي وقانوني بهدف إصحاح الملعب. بعد التجريد من الزوائد غير الطبيعية لحزب المؤتمر الوطني، فليهنأ سعيد بسعيده، ومبروك، وعلى المتعلقين بالاسم زيارة المقابر والترحم على الحزب المحظور. الحزب الجديد بأية تسمية له، الشعب سيقول لهم المؤتمر الوطني سابقاً، ومن لم تطاله مؤسسات العدالة فلينتظر محكمة الشعب وصناديق الاقتراع النزيهة، وإذا أتت بهم سنكون معارضتهم الشرعية وسنعمل على إقناع الشعب بعدم منحهم أي تفويض وفق القانون والدستور.

صلاح جلال

13 ديسمبر 2025م

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!