رأي

كيف شرعن جيش البرهان القتل بدوافع عرقية؟

علي سانتينو

 

علي سانتينو

ما كشفه تحقيق شبكة CNN حول مجازر الجزيرة ليست فضيحة في سجل الحرب، هو إدانة شهادة مكتوبة ضد قيادة الجيش ومليشياته الاخوانية. ولا نقف في هذه اللحظة أمام روايات متضاربة، بل أمام أدلة موثّقة تفضح مؤسسة عسكرية انحدرت من موقع الإدعاء بحماية الوطن إلى ممارسة القتل المنهجي والتطهير العرقي بحق مجموعات سكانية بعينها. ماحدث ليس خطاءً فردياً ولا انفلاتاً ميدانياً، كان سياسة مدبرة وعمل مخطط بامتياز!

ان تقرير CNN الاستقصائي نسف كل الروايات الرسمية التي ظلّ يكرّرها هذا الجيش بوقاحة، حيث ظل يروج لما يجري في الجزيرة كأنه ضد متعاونين مع قوات الدعم السريع، إلا أن الحقيقة التي خرجت للعلن أكثر قبحاً ووحشية، كان عنفاً بدوافع عرقية استهدف تحديداً سكان الكنابي وأبناء دارفور، وجنوب السودان، والمهمّشين اجتماعياً بالجزيرة، فقط لأنهم ينتمون إلى هوية لا تروق لذهنية عسكرية ملوّثة بالحقد والعنصرية، وعندما دبرت قتل البعض لانهم من الكنابي، فهي ليست حرباً بقدر ما هي جريمة كراهية منظّمة. والأخطر في جوهر الاتهام أن أوامر القتل لم تصدر من مجموعات منفلتة أو ميليشيات قبلية، بل صدرت من مستويات قيادية في الجيش نفسه. هذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط أي محاولة تبرير أو تهرّب من المسؤولية، نحن أمام قيادة عسكرية أعطت الضوء الأخضر للإبادة ثم حاولت الاختباء خلف ستار ما يسمى درع السودان أو شماعة الدعم السريع. إنها محاولة بائسة لغسل الدم بالبيانات!

المهم ان أحد أعضاء بعثة تقصي الحقائق الدولية لم يتردّد في تسمية الأشياء بأسمائها، حيث أكد ان ما تم في الجزيرة هو إبادة جماعية وتطهير عرقي يرقى إلى جرائم حرب. هذا التوصيف القانوني لا يُطلق جزافاً، لكنه يعني أن قادة الجيش باتوا في نظر القانون الدولي متهمون في أخطر الجرائم التي عرفتها البشرية. ولا مجال هنا للرمادية او الهروب إلى خطاب السيادة الوطنية الذي استُهلك حتى تعفن. العفن الذي وثّقه التحقيق، حيث كان موجّهًا بدقة شيطانية لابادة قرى بالكامل والدليل على ذلك ان بعض الكنابي مُسحت من الخريطة، ومدنيون عُزّل أُعدموا بدم بارد، مئات الشباب صُفّوا ثم أُلقيت جثثهم في الترع، وكأن الهدف ليس القتل فقط، بل هو الإذلال ومحو الأثر. وهي ممارسات عصابات الغاب لا جيش دولة!

ان الذريعة المكرورة للتعاون مع قوات الدعم السريع هذه المرة سقطت سقوطاً مدوياً مع هذا التقرير، فالعضوة بعثة تقصي الحقائق جوي نغوري وصفت هذه الزائع بانها اتهامات بلا أساس، وتُستخدم كغطاء لتبرير هجمات ذات دوافع عرقية. معنى ان الجيش يعلم أنه يكذب، ويكذب وهو يقتل. وبالتالي هذه ليست دعاية حربية بقدر ما تكون خداع متعمّد لتبرير الجريمة!

إن استمرار هذه السياسات يكشف بوضوح أن هذا الجيش لا يرى في فئات واسعة من الشعب مواطنين متساوين، كما يراهم أهدافاً مشروعة للتصفية والاعدام، وهي عقلية استعمارية لا تختلف في جوهرها عن أبشع الأنظمة العنصرية في التاريخ. واي مؤسسة تتبنى هذا المنطق تفقد تلقائياً أي شرعية أخلاقية أو وطنية، مهما رفعت من شعارات التدين، لذلك فإن الحديث عن الإصلاح من الداخل أو الانتظار حتى نهاية الحرب ليس سوى تواطؤ مقنّع. فالمطلوب الآن، وبلا مواربة، محاكمة قادة الجيش الذين صدرت عنهم أوامر القتل الجماعي وعلى راسهم عبد الفتاح البرهان، أمام آليات العدالة الدولية، لا حصانة لرتبة ولا قدسية لبزّة عسكرية حينما تتحول إلى زيّ جلاد، وليفهم البرهان ان الدم لا يُمحى بالبيانات والجرائم لا تُغفر بالتقادم!

من الواضح جداً ان تقرير CNN وضع الحقيقة عارية أمام الجميع. ومن يواصل الصمت بعد هذا التقرير الاستقصائي، أو يبرر له، او يساوي بين الجلاد والضحية، فهو شريك في جريمة التطهير العرقي التي تمت. وان جيش البرهان الذي يقتل المدنيين على أساس العرق لم يكن حامياً للوطن، بل كان خطراً وجودياً عليه. وان التاريخ، حين يسطر فصوله الأخيرة حول صرع سلطة الدم لن يرحم من أمر او نفّذ، ولا يغفر لمن صمت او تخاذل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!