رأي

ظاهرة الصحّاف بين العراق والسودان: مقاربة بين محمد سعيد الصحّاف وطارق كيجاب

عباس احمد السخي

عباس احمد السخي

منذ أن عرف العالم الحروب الحديثة، برز الإعلام كأحد أهم أدوات الصراع، ليس فقط لنقل الأخبار، بل لتوجيه الرأي العام، ورفع الروح المعنوية أو تحطيمها. وفي قلب هذا المشهد، وُلدت شخصيات إعلامية مثيرة للجدل، وظلّت أسماؤها مرتبطة بالدعاية المفرطة واللغة المليئة بالمبالغة والإنكار، حتى صارت رموزًا لما يمكن تسميته بـ “الإعلام الهزلي” أو “الخطاب الدعائي المفرط”.

أحد أبرز هذه النماذج كان محمد سعيد الصحّاف، وزير الإعلام العراقي في أيام سقوط بغداد عام 2003، والذي اشتهر بلقب “الصحّاف” أو “Comical Ali” كما أطلق عليه الإعلام الغربي. والآخر، على الطرف السوداني، هو الجنرال طارق كيجاب، الذي بات يُقدَّم في وسائل التواصل كنسخة سودانية من الظاهرة الصحّافية، لما يجمع بينهما من سمات في الطرح والأسلوب وإن اختلف السياق والزمان.

محمد سعيد الصحّاف: لسان طويل في أيام قصيرة

عُرف الصحّاف بخطاباته اليومية أمام الكاميرات خلال الغزو الأمريكي للعراق، مستخدمًا لغة مشحونة بالتحدي والإنكار، حتى وهو يقف على بعد كيلومترات قليلة من القوات الأمريكية وهي تدخل قلب بغداد. كان يتحدث عن “العلوج” الذين سيُهزمون عند أبواب المدينة، بينما الواقع على الأرض كان يشير إلى انهيار شامل للجيش العراقي.
مثّلت تصريحاته مثالًا حيًا على كيف يمكن للإعلام أن يصبح أداة تضليل داخلي وخارجي، الأمر الذي ساهم في خلق فجوة بين الخطاب الرسمي والحقيقة، ما أدى إلى انهيار الثقة تمامًا بين السلطة والشعب في اللحظات الحاسمة.
وليس العراق استثناءً في هذا؛ فقد سبقت ذلك أمثلة مشابهة، مثل دعاية وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز في الحرب العالمية الثانية، الذي رفع شعار “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”، واستمر في الحديث عن النصر حتى في الأيام الأخيرة قبل سقوط برلين، مما جعل خطاباته رمزًا للدعاية المنفصلة عن الواقع.

طارق كيجاب: من “دق النحاس” إلى انتظار الجوع

على الجانب السوداني، يطل طارق كيجاب كنسخة محلية للظاهرة الصحّافية، وإن اختلفت الميادين من شاشات الفضائيات إلى منصات التواصل الاجتماعي. بصوته الحريمي المميز وأسلوبه المثير للدهشة، ظل يطلق رسائل تحريضية أو توجيهات قتالية أشبه بالخطابات الغوغائية التي يفتقد أصحابها للقراءة العسكرية العميقة.
من بين أكثر تصريحاته تداولًا، دعوته سكان الخرطوم لاستخدام زجاجات المولوتوف في مواجهة قوات الدعم السريع، مع التنويه بعدم استخدام زجاجات البيبسي أو الكولا لأنها “لا تنفجر”! كان يقول هذا بينما كانت العاصمة قد وقعت بالفعل تحت سيطرة الدعم السريع، مما جعل حديثه يبدو أقرب إلى الاستعراض الإعلامي منه إلى التحليل العسكري.
كما دعا كيجاب القبائل مثل الجموعية والشكرية والجعليين إلى “دق النحاس” – وهي إشارة تراثية لإعلان النفير – متسائلًا بلهجة استنكارية: “كان النحاس ما دقيتوه هسه، ح تدقوه متين؟”، في دعوة رمزية لمواجهة تستحضر صور الماضي أكثر مما تلامس واقع الحرب المعاصر.

آخر التصريحات: استراتيجية الجوع
آخر ما أثار موجة من التعليقات والسخرية على حد سواء، كان حديث كيجاب عن سبب عدم إرسال الجيش تعزيزات إلى مدينة الفاشر. فقد برّر ذلك بأن إرسال العتاد والقوات سيجعلها تقع في يد قوات الدعم السريع، لذا – بحسب تعبيره – فإن القيادة تفضّل الانتظار حتى “يموت الدعم السريع بالجوع”.
هذا التصريح، الذي يشبه في منطقه خطاب الصحّاف عند أبواب بغداد، أثار تساؤلات حول جدوى الخطاب الإعلامي الذي لا يتوافق مع حقائق الميدان، بل وربما يضر بالروح المعنوية للجمهور الذي يترقّب حلولًا واقعية للأزمة.

خطورة الإعلام الكاذب على مسار الحروب

التاريخ مليء بالشواهد على أن الخطاب الإعلامي المبالغ فيه أو الكاذب قد يؤدي إلى نتائج كارثية. ففي حرب فيتنام، كانت التقارير العسكرية الأمريكية المبالغ فيها عن النصر الوشيك سببًا في تراجع الثقة بين الشعب والإدارة الأمريكية، مما عجّل بإنهاء الحرب تحت ضغط الرأي العام.
وفي الحرب الروسية–الأفغانية، أدى إنكار الخسائر وتضخيم الانتصارات في الإعلام السوفيتي إلى صدمة شعبية حين ظهرت الحقيقة، وهو ما سرّع في اهتزاز صورة الاتحاد السوفيتي في الداخل والخارج.
من هنا، يصبح خطاب مثل خطاب الصحّاف أو كيجاب ليس مجرد مادة للتندر، بل خطرًا استراتيجيًا يضلّل الجمهور، ويغلق نوافذ التفكير الواقعي، ويقوّض فرص التوصل إلى حلول سياسية أو عسكرية متوازنة.
مقاربة بين الرجلين
الجامع بين محمد سعيد الصحّاف وطارق كيجاب ليس فقط الأسلوب الخطابي المليء بالمبالغة، بل كذلك القطيعة التامة مع الواقع الميداني. كلاهما يتحدث عن انتصارات أو استراتيجيات وهمية بينما الحقيقة على الأرض معاكسة. والنتيجة في الحالتين واحدة: خطاب يثير السخرية أكثر مما يحشد الدعم، ويترك أثرًا طويل المدى على صورة المؤسسة التي يتحدث باسمها.

خاتمة
إذا كان الصحّاف رمزًا لـ”النحس الإعلامي” في العراق، فإن كيجاب يبدو وكأنه يمشي على خطاه في السودان، مع اختلاف الزمان والمنصات. في الحروب، لا يغفر التاريخ للإعلاميين الذين يضلّلون شعوبهم، لأن الكلمة الخاطئة قد تكون أحيانًا أخطر من الرصاصة. وبينما تسقط المدن وتتحرك الجبهات، يبقى الإعلام الصادق والواعي ضرورة لا ترفًا، لأن الحروب تُكسب في الميدان، لكنها تُحسم في العقول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!