رأي

اوزاغ تنفخ في حرب السودان 

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

افتتاحية

هذا تفكيك بارد لواقع تُدار فيه البلاد بمنطق الأرباح لا بمنطق الحلول. الحرب في السودان ليست نتاج مواجهة عسكرية فحسب، بل نتيجة منظومة كاملة تتغذّى على الاستنزاف، تتحرك في الظل، تغيّر جلدها سريعاً، وتُبقي الفوضى حيّة كلما اقترب الأفق من تسوية.

أوزاغ الموارد

في التوقيت الذي تُرفع فيه شعارات «الأمن الإقليمي» و«الاستقرار»، تُدار ملفات المياه والموانئ والموارد كأوراق تفاوض غير معلنة. الجغرافيا هنا تتحول إلى أداة ضغط، والسيادة تُقايَض بصمت طويل وحرب ممتدة. ما يجري لا يمت بصلة إلى الحرص على السودان، بل إلى إعادة ترتيب موازين نفوذ على حساب دولة منهكة.

الحرب الطويلة تمنح أفضلية لمن يريد إدارة الملفات بعيداً عن الرقابة.

أوزاغ المنابر

منصات وقنوات واسعة الانتشار تتقن لعبة الانتقاء شهادات بلا سياق، صور بلا زمن، وسردية واحدة تتبدل مفرداتها لا مضمونها. لا تُقدَّم الأكاذيب كاملة؛ يُكتفى بنصف حقيقة كفيل بتوجيه الرأي العام.

الإعلام هنا شريك في الإطالة، لا ناقلاً للوقائع. المهنية تُستَخدم كقناع، والحياد كأداة تبرير.

أوزاغ الأيديولوجيا

عواصم ترى في السودان ساحة اختبار لمشروع عابر للحدود. الدعم لا يُمنَح دفاعاً عن المدنيين، ولا انحيازاً للدولة، بل استثماراً في إحياء تنظيمات فشلت في الحكم ونجحت في التخريب. السياسة المختلطة بالعقيدة تنتج حرباً بلا سقف، حيث يتحول الدم إلى وقود.

أوزاغ السلطة

من الخطأ وصف الأزمة كتعثّر تفاوضي، أو فشل مسار سياسي. ما يحدث أعمق من ذلك: إدارة متعمدة للّاتسوية.

سلطة تتعامل مع التوقيع كتصريح إعلامي: تُعلن ثم تنكر، تَعِد ثم تتنصل. الاتفاقات لا تعيش أكثر من منصة، والالتزام يُستبدَل بخطاب مراوغ، يُرضي الخارج ويُبقي الداخل في دائرة الدم.

الحرب، في هذا السياق، ليست عبئاً على السلطة، بل أداة. تُستخدم لإعادة ضبط التحالفات، وتصفية الخصوم، وتأجيل أي استحقاق حقيقي للمساءلة. كلما طال أمدها، تقلّصت الأسئلة، وذابت الحدود بين الدولة والميليشيا، بين القرار الوطني والمصلحة الخاصة.

أوزاغ المناصب السيادية والدبلوماسية

في قلب السلطة، توجد مناصب سيادية ودبلوماسية يُفترض أن تحمي الدولة وشعبها. لكن الواقع يختلف تمامًا، انتهاك القوانين، مخالفة الأعراف الدبلوماسية، وتعيين وسطاء ليقوموا بمهام القنصليات مقابل مكاسب مالية شخصية.

النتيجة غياب المحاسبة، وتحول هذه المناصب إلى أدوات للربح الشخصي بدلاً من خدمة الوطن. الدولة هنا ليست فاعلة، بل مجرد منصة تُدار عليها مصالح خاصة، تُثبّت شبكة أوزاغ الحرب في الداخل والخارج.

السلطة التي تُخرق الأعراف وتغيّر المسؤوليات لمصالح شخصية، تمنح الفوضى غطاءً رسمياً وتساهم في استمرار النزاع.

أوزاغ الإسلامويين: الحرب كأداة تصفية

تغوّل الإسلامويين في القتال لا يمكن قراءته كموقف وطني، بل كعملية تصفية سياسية موسّعة. تحقيقات دولية، بما في ذلك تحقيق مشترك بين CNN وLighthouse Reports، أظهرت وجود أفعال عنف ممنهجة بحق المدنيين واستهدافات عرقية في ولاية الجزيرة خلال النزاع، وهي دلائل على حملة عنف أوسع تشمل مختلف الأطراف. في هذا السياق، لم تعد الاستهدافات مجرد تبادل نيران، بل أعمال عنف متصاعدة تستهدف المدنيين بمنهجية. هذه المعلومات تدعمها شهادات من الداخل وتحليلات مستقلة، لتؤكد أن التيار الإسلاموي لم يكن طرفاً محايداً بل مشاركاً في استراتيجيات تصفية سياسية وعنف ممنهج.

أوزاغ اللون الرمادي

هنا نسلط الضوء على الأطراف الرمادية الذين لم يُذكروا في الأقسام السابقة. من بينهم من قاتل هذا النظام ثم انقلب ليقاتل معه لأجل المال، ودول تطالب بالسلام لكنها تُرسل السلاح في الوقت ذاته، واتحاديات إقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والإيقاد التي تبدو أكثر رمادية من ليالي شتاء باردة. الاتحاد الأفريقي، شبيه بشخص يملك جهاز تتبع على كاحله: مجبر على التحرك في نطاق ضيق، لكنه قادر على اتخاذ قرارات رمادية، يعلن الحلول ويتردد في المواقف الحاسمة، مما يضاعف صعوبة الوصول إلى تسوية حقيقية.

أوزاغ العائد المادي

الحرب ليست فوضى… بل نموذج عمل. هناك من يتكفّل بالفاتورة، شراء السلاح، الوقود، الذخائر، الإمداد، وحتى الصمت. يُدفَع المال لخلق حشود بلا قناعة، تُستأجر للهتاف أو للقتال. وتُشترى الذمم كما تُشترى السلع، نقداً أو امتيازاً أو وعداً بموقع مؤجَّل.

في هذا الاقتصاد، لا تُقاس الخسارة بعدد القتلى، بل بسرعة دوران المال. كل يوم حرب يعني طلباً جديداً، شحنة جديدة، وسيط جديد، عمولة جديدة. الدم هنا ليس نتيجة… بل مُحرّك.

العائد لا يتوقف عند السلاح. الوقود المهرّب، الغذاء المنهوب، العملات، الأراضي التي تُفرَّغ بالقوة، كلها تتحول إلى بنود ربح في ميزانية غير معلنة. والحرب الطويلة وحدها تضمن استمرار السوق.

تقاطع الأوزاغ.،لحظة اندماج السلطة بالمال

أوزاغ العائد المادي لا يعملون في فراغ. هم الوجه الآخر لأوزاغ السلطة، والشريك الصامت في قرار الإطالة. فالسلطة التي تُنكر توقيعها، هي ذاتها التي تغضّ الطرف عن خطوط الإمداد، وتُسهّل المرور، وتؤمّن الغطاء، وتترك السوق يعمل بلا أسئلة.

هنا تصبح الحرب عقداً مفتوحاً. السلطة توفّر الشرعية الضبابية، والمال يضمن الاستمرارية. كل طرف يعرف حدوده، وكلهم يعرفون أن السلام كسرٌ للتوازن القائم.

وسطاء الحرب: تجّار الظل

بين السلاح والوقود، بين المال والحشود، يقف الوسطاء. أشخاص بلا صفة رسمية، لكن بأدوار حاسمة. ينقلون، ينسّقون، يدفعون، ويقبضون. يبدّلون العملات، يفتحون الطرق، ويغلقون الأفواه.

هؤلاء لا يظهرون في البيانات، ولا تُدرج أسماؤهم في قوائم العقوبات، لكنهم يعرفون متى تُشعَل الجبهة، ومتى يُخنَق المسار السياسي في مهده.

وسيط الحرب لا يحتاج إلى انتصار. يكفيه استمرار الطلب.

الخاتمة: من يُطيل الحرب؟

الحرب في السودان لا تستمر لأن البنادق لم تصمت فقط، بل لأن هناك من يستفيد من ضجيجها. دول تساوم بالجغرافيا، منابر تُعيد تشكيل الواقع تحت لافتة المهنية، أيديولوجيات تبحث عن موطئ قدم، سلطة ومناصب سيادية تُحوّل الفوضى إلى مكسب، ومال يُشغّل السوق بلا توقف.

تحليل أوزاغ الحرب ليس مجرد شكل من أشكال الترف، بل شرط لأي حديث جاد عن السلام. فالسلام لا يولد من طاولات تُدار في الظل، ولا من خطابات تُخفي أكثر مما تقول، بل من مواجهة صريحة مع شبكة المصالح التي قررت أن يكون السودان ساحة، لا دولة.

ومع كل هذه الأوزاغ التي تنفخ في حرب السودان ليستمر كسبها وترتفع عوائدها، نسأل الله أن يا نار حرب السودان كوني برداً وسلاماً على أهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!