رأي

سؤال للوقود البشري للعنصرية: لماذا نحرق بيوتنا بأيدينا؟

د.عبد الله محمد ادم .. كمبالا

 

د.عبدالله محمد ادم..كمبالا

لم تأتِ التقارير الأخيرة عن تصفية المواطنين من غرب السودان وجبال النوبة و النيل الأزرق بجديد. فالحقيقة التي يعرفها كل طفل في تلك المناطق، و التي تختزنها ذاكرة كل قرية وكل أسرة مفجوعة، هي أن الجيش السوداني لم يكن يوماً جيشاً وطنياً، بل كان أداة قمع عنصرية، ومحركاً رئيسياً لنظام فصل عنصري (أبارتهايد) داخلي طويل الأمَد.

هذه ليست اتهامات عاطفية، بل وقائع تاريخية محفورة بالدم من حرب الجنوب التي استمرت لعقود، إلى حملات الإبادة في دارفور، إلى التطهير العرقي في جبال النوبة والنيل الأزرق، إلى القمع المنظم ضد كل من لا يقع ضمن النموذج “العربي” المتخيل عند قيادته. والجيش السوداني لم يحمي حدود الوطن، بل رسم حدوداً داخلية للكراهية، ولم يدافع عن المواطنين، بل صار أداة لتصفيتهم حين تجرأوا على المطالبة بالمساواة والعدالة.

لكن السؤال الجارح الذي يجب أن نواجهه نحن أبناء المناطق المهمشة هو: لماذا نكون نحن وقود هذه الآلة القاتلة؟ لماذا يقف ابن النوبة وابن دارفور وابن النيل الأزرق و كردفان في طليعة الجنود الذين يحرقون قراهم و يهدمون مجتمعاتهم؟الإجابة معقدة و مؤلمة، و لكنها تبدأ بسبب الفقر المدقع والتهميش المنظم ،فالجيش،لطالما استخدم التجنيد كوسيلة لإخراج الشباب من مجتمعات محرومة من التعليم و العمل و الخدمات، واضعاً إياهم أمام خيارين مرّين: الموت جوعاً في قراهم، أو الانضمام إلى المؤسسة التي تمنح راتباً ضئيلاً و وجبة طعام وبدلة قد تكون نعمة في سياق الحرمان.و لكن هذه الحاجة الاقتصادية لا تبرر المشاركة في الإبادة،و هناك آليات أخرى تعمل، كغسيل الأدمغة القومي الزائف، وخلق ولاءات مصطنعة للزي والرتبة، و إيهام المجند بأنه صار جزءاً من “النخبة” بعيداً عن هويته الدونية، فحين يتم تفكيك هوية المجند العرقية والثقافية لصالح هوية عسكرية طائفية عنصرية، ثم يُستخدم الجندي كأداة ضد أهله تحت شعارات وطنية زائفة،فنخن أمام مؤسسة عسكرية اختطفت مفهوم الوطن وحولته إلى مزرعة لعائلة سياسية وعسكرية واحدة. انه جيش يحتكر السلطة والثروة، ويقمع كل محاولة ديمقراطية، و يسيطر على الاقتصاد، و يحمي نظاماً من الظلم جعل من السودان دولة فصل عنصري بامتياز. فكيف يصح أن نسمي مؤسسة تكرس تفوق مجموعة عرقية و تستخدم العنف المنظم لإخضاع الأغلبية المتنوعة بجيش وطني؟

لقد آن الأوان لمواجهة هذه المهزلة الدموية، لقد آن الأوان لأن يفيق أبناء المناطق المهمشة من الغيبوبة التي تجعلهم شركاء في تدمير ذواتهم، آن الأوان لرفض أن نكون الوجوه السوداء الغريية التي تقدمها الآلة العسكرية لتلميع صورتها الزائفة كتمثيل وطني و لا خلاص للسودان إلا بهدم هذه المؤسسة العنصرية وإعادة بنائها من الصفر ليكون مكانه جيش جديد قوامه العقد الاجتماعي والدستور، لا العرق و الطائفة، جيش يمثل تنوع السودان الجميل في تركيبه القيادي و فروعه جيش يحمي الحدود و لا يحرس النظام الطبقي جيش يُحاسب تحت السلطة المدنية و يُحرم من التجارة والسياسة.

أيها الجنود والضباط الصغار من الغرب والنوبة والنيل الأزرق: أنتم لستم خلقتم لتكونوا وقوداً لآلة الموت ،أنتم بشر أصحاب تاريخ و كرامة، تذكروا أن البندقية التي تحملونها اليوم قد استخدمتموها ضد مجتمعاتكم و ستستخدم غداً ضد أمهاتكم أو اخواتكم، و انتم لستم بحماة وطن و لا ثورة، لان الثورة الحقيقية تبدأ عندما نرفض أن نكون أدوات لإذلال أنفسنا.فلننظر إلى المرآة ونسأل: من نحمي؟ ومن نقتل؟ و لمن نخدم؟ الإجابة ستحدد مصيرنا جميعاً: إما أن نستمر كأدوات في يد جيش الاحتلال الداخلي، أو ننضم إلى مشروع بناء وطن حقيقي، وطن للجميع.

هذا المقال ليس دعوة للتمرد العسكري، بل دعوة للتفكيك النقدي و إعادة البناء، فالوطن يستحق جيشاً يدافع عن أبنائه جميعاً، لا جيشاً يذبح بعضهم باسم الآخر.

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!