رأي

لماذا يتقدم السودان كل الأزمات الإنسانية؟ 

علي سانتينو

 

علي سانتينو

للعام الثالث متوالياً يعتلي السودان قائمة الأزمات الإنسانية كمالك حصري للبؤس. يتقدّم بثبات مخزٍ على تسع عشرة دولة تمزقها الحروب والانهيارات الاقتصادية، وكأن الخراب في السودان لم يعد أزمة طارئة بل نظام حكم، ولم تعد الكارثة نتيجة ظرفية بل ثمرة منطقية لمسار سياسي طويل قائم على الفشل المتراكم والظلم الممنهج!

أن يتصدر السودان قائمة الأزمات الإنسانية العالمية ليس مفاجأة، هو تحصيل حاصل فمنذ عقود والدولة السودانية تُدار بعقلية الغنيمة، وبمنطق السيطرة، وهاجس البقاء في السلطة. ان الأزمات السياسية لم تتراكم صدفة، فقد تم إنتاجها بعناية حتى تحوّل السودان إلى كيان مشلول وعاجز عن حماية مواطنيه!

تقرير لجنة الإنقاذ الدولية عن أن الأزمة في السودان يعكس فشلًا في الاستجابة الدولية للنزاع المستمر، يبدو تبرئة غير مستحقة للفاعل الأساسي. صحيح ان المجتمع الدولي انتقائي، لكنه لم يخلق الحرب من عدم، ولم ينهب الموارد ولم يزرع الانقسام الاجتماعي، ولم يحوّل الدولة إلى أداة قمع. هذه مهمة أُنجزت محلياً على يد نخب سياسية وعسكرية اعتادت أن تحكم الخراب ثم تشتكي من نتائجه!

ان السودان اليوم شكل أكبر أزمة نزوح في العالم، لا لشح موارده ولكن لأن السلطة فيه كانت دائماً شحيحة الأخلاق. شُرّدت الميلايين بسبب قرارات سياسية وتحالفات فاسدة، ونخب متصارعة لا ترى في المواطن سوى وقود، والنزوح سياسة غير معلنة نتيجة لإدارة البلاد بالعنف والإقصاء!

الأكثر فداحةً أن يتصدر السودان هذه القائمة عن جدارة، متقدماً على فلسطين الواقعة تحت الاحتلال، وعلى لبنان الذي انهار نظامه المالي، وعلى جنوب السودان الغارق في التخلف، وعلى ميانمار والصومال حيث الجوع والرصاص يوميات ثابتة. وأن يتفوق السودان على كل هؤلاء، فذلك يعني أن الدولة بلغت مستويات استثنائية من الفشل والانحطاط، فشلًا لا تبرره الحرب وحدها، بل يفسره تاريخ طويل من سوء الحكم وانعدام العدالة والمساواة!

الظلم الاجتماعي في السودان ليس خللًا عادياً، الظلم هو بنية راسخة في الدولة القديمة، الثروة مركزة في أيدي قلة من الناس والموارد تُدار بعقلية الاحتكار، والمناطق المهمشة تُستنزف بلا مقابل والزراعة التي كانت تشكل سلة غذاء العالم أُهملت. اما الذهب، الذي كان يمكن أن يبني اقتصادًا متماسكاً فقد تحوّل إلى لعنة تغذي الصراعات وتثري شبكات النفوذ. بينما الغالبية الساحقة تعيش على حافة الجوع، نخبه تتقاسم الامتيازات وتُعيد إنتاج سلطتها عبر الفوضى!

لقد أكدت لجنة الإنقاذ الدولية أن الدول العشرين المتصدرة لقائمة الأزمات الإنسانية بقيادة السودان، تمثل 90٪ من إجمالي المحتاجين للمساعدات الإنسانية في العالم. هذا الرقم لا يكشف حجم الكارثة بقدر ما يفضح مكانة السودان كمركز للفشل الإنساني. والأسوأ أن التحذير من عواقب كارثية طويلة الأمد في حال تجاهل الأزمة يبدو وكأنه توصيف لواقع قائم بالفعل لا تهديداً مستقبلياً. أجيال كامله تُسحق تحت أنقاض السياسات الفاشلة ومجتمع يتآكل ببطء. لا دولة ترعى ولا نظام صحي ولا اقتصاد ينتج. ماينتج فقط سلطة تتنازع ونخب تساوم، وخطابات جوفاء عن الوطن تُلقى فوق جثث مواطنيه!

الكارثة الحقيقية ليست في أن السودان يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، الكارثة في أن هذا الواقع المرير أصبح طبيعياً ومألوفًا بلا صدمة. وان يصبح الجوع خبراً روتينياً والنزوح رقما فليكياً والموت هامشاً في التقارير الدولية. وأن تستمر القوى المتحكمة في البلاد في إدارة الأزمة بدل حلّها، فهي ببساطة تستفيد منها!

الحقيقة أن السودان لا يحتاج إلى شفقة دولية بقدر ما يحتاج إلى مواجهة جذرية مع تاريخه السياسي المريض. فدولة بُنيت على الإقصاء وحُكمت بالفساد وأُديرت بالعنف، لا يمكن أن تنتج سوى هذه الصدارة المخزية في قائمة الدول المأزومة. وما لم تنتهي هيمنة النخب على الموارد، ويُنهَى الظلم الاجتماعي وتُحاسَب القوى التي صنعت هذا الجحيم، فإن السودان لن يغادر هذه القائمة الوضيعة، لكنه سيحافظ على صدارتها حتى سيظل شاهداً على وطن غني تحول بإرادة حكامه إلى أكبر مأساة إنسانية في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!