
نجوي بابو
لم تعد الأزمة السودانية مجرد صراع على السلطة بل أصبحت اختبارًا لقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على الانتقال من إدارة النزاع إلى بناء الدولة. ففي تجارب كثيرة نجحت الوساطات في وقف الحروب أو تخفيف حدتها لكنها أخفقت في معالجة الأسباب التي أنتجتها لأن اهتمامها انصرف إلى تحقيق توازن سياسي بين الأطراف أكثر من انصرافه إلى تأسيس نظام دستوري قادر على منع تكرار الأزمة
يرى بعض السودانيين أنها وفرت إطارًا للحوار بين القوى السودانية ويرى البعض الاخر أنها ركزت على ترتيبات المرحلة الانتقالية دون أن تمنح القضايا المؤسسية والدستورية القدر نفسه من الاهتمام. وبغض النظر عن تقييم هذه الرؤى فإن السؤال الأكثر أهمية يبقى هل تكفي التسويات السياسية وحدها لبناء دولة مستقرة؟
إن الدولة لا تقوم على الاتفاقات وحدها، وإنما على شرعية تستند إلى الإرادة الشعبية وسيادة القانون. فالسلطة التي تُدار بمنطق موازين القوة قد تحقق استقرارًا مؤقتًا
لكنها تظل معرضة للاهتزاز إذا غابت المؤسسات القادرة على تنظيم انتقال السلطة وحماية الحقوق والحريات.
السلام الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب السلاح، بل بوجود نظام سياسي يشعر فيه المواطن بأن القانون هو المرجع الأعلى للجميع.
الانتقال السياسي المستدام لا يتحقق بتغيير الحكومات وحده، بل بإصلاح بنية الدولة نفسها. فاستقلال القضاء وحياد المؤسسات العامة وإخضاع جميع السلطات لأحكام الدستور تمثل ركائز لا غنى عنها لأي عملية تحول ديمقراطي. كما أن العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية تظل من أكثر القضايا حساسية استقرار الدولة يتطلب وجود قواعد دستورية واضحة تحدد الاختصاصات وتضمن خضوع جميع مؤسسات الدولة للمساءلة القانونية.
وفي الحالة السودانية تبدو الحاجة ملحة إلى مشروع وطني يتجاوز منطق المحاصصة السياسية إلى منطق بناء المؤسسات. فإعادة توزيع المناصب قد تُخفف حدة التوتر بين القوى المتنافسة لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة الشرعية أو لاستعادة ثقة المواطنين في الدولة. الثقة لا تُبنى إلا من خلال مؤسسات مستقلة، وعدالة فعالة، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة والمساءلة، ودستور يعبر عن توافق وطني واسع.
ولا يقلل ذلك من أهمية الوساطات الإقليمية والدولية، فهي قد تهيئ الظروف للحوار وتساعد على تقريب وجهات النظر، غير أن نجاحها يظل مرهونًا بقدرتها على دعم عملية يقودها السودانيون أنفسهم، وتستند إلى أولوياتهم الوطنية، لا إلى مجرد إدارة التوازنات السياسية.
ويبقى مستقبل السودان مرتبطًا بالإجابة عن سؤال يتجاوز الأشخاص والتحالفات: كيف تُبنى دولة تحكمها المؤسسات لا موازين القوة؟ فكل تسوية لا تضع سيادة القانون والشرعية الدستورية والمواطنة المتساوية في صلب مشروعها قد تؤجل الأزمة لكنها لن تنهيها. أما الدولة التي تجعل الدستور مرجعًا أعلى للجميع، فهي وحدها القادرة على تحويل السلام من هدنة مؤقتة إلى استقرار دائم.




