
نبض قلم.
عادل تاج الدين جار النبي
في ظل الحرب الدائرة في السودان، تكشّفت بوضوح أزمة عميقة داخل النخبة المثقفاتية، أزمة لم تعد قابلة للتأجيل أو التبرير، بعد أن سقطت كثير من الأقنعة الأخلاقية والفكرية أمام مشهد الدم والخراب. فبدلاً من أن تضطلع هذه النخبة بدورها الطبيعي كضمير نقدي للمجتمع، وصوتٍ منحاز للحياة والسلام وحماية المدنيين، اختار بعض رموزها الاصطفاف مع الحرب أو تبريرها، إما بالصمت، أو بتسويق خطاب “الضرورة الوطنية” و“حسم الفوضى”، وكأن العنف صار أداة مشروعة لإنتاج الدولة.
هذا الموقف لا يمكن فصله عن اختلال تاريخي في علاقة المثقف السوداني بالسلطة، حيث ظل جزء معتبر من النخب أسيرًا لفكرة الدولة القوية ولو كانت قمعية، أو منجذبًا إلى خطاب العسكر باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار. ومع اندلاع الحرب، تحوّل هذا الميل إلى تواطؤ صريح، أُعيد فيه تدوير مفردات السيادة والأمن القومي لتبرير القتل، بينما تُغيب الكلفة الإنسانية الهائلة، ويُختزل ملايين الضحايا في أرقام هامشية أو “أضرار جانبية”.
وإذا أمعنّا النظر أكثر، سنجد أن هذا الانحياز ليس موقفًا وطنيًا ولا قراءة عقلانية كما يُقدَّم، بل هو في جوهره جهوية مغلّفة بلغة ثقافية حداثية. فقد جرى استبدال الانحيازات الجهوية والولاءات الضيقة بخطاب مُنمّق، يُشيطن مناطق بعينها، ويُبرّئ أخرى، ويُعيد إنتاج ثنائية المركز والهامش في صيغة جديدة، تُضفي شرعية أخلاقية زائفة على العنف، وتُحوّل الحرب من جريمة سياسية إلى “صراع هويات”.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب الجهوي المقنّع يُقدَّم بوصفه دفاعًا عن الدولة، بينما هو في الحقيقة تهرّب من مواجهة الأسئلة الجوهرية: من دمّر مؤسسات الدولة؟ من عسّكر السياسة؟ من صادر المجال المدني وأغلق أفق الانتقال الديمقراطي؟ وبدلاً من تفكيك هذه المسؤوليات البنيوية والتاريخية، يجري تحميل الحرب لأطراف اجتماعية أو جغرافية، بما يعمّق الشروخ ويطيل أمد النزاع.
هنا يفشل المثقف في أداء وظيفته الأساسية، ويتحوّل من فاعل نقدي إلى جزء من آلة التعبئة والدعاية، أو إلى شاهد زور على مأساة وطن. فالثقافة التي تبرر القتل، أو تصمت عنه، تفقد معناها، والمثقف الذي يقف مع الحرب—صراحة أو مواربة—يتخلى عن جوهر دوره، ويشارك، بوعي أو بدونه، في إعادة إنتاج الخراب.
إن تجاوز هذه الأزمة لا يكون إلا بمراجعة جذرية لدور النخبة نفسها: استقلال حقيقي عن مراكز القوة، قطيعة واضحة مع العصبيات الجهوية مهما تلونت، وانحياز صريح للمدنيين بوصفهم جوهر أي مشروع وطني. ففي لحظة تاريخية كهذه، لا حياد أخلاقيًا بين الحرب والسلام، ولا قيمة لخطاب ثقافي لا يقاوم العنف ويدافع عن الحق في الحياة. فالسودان لا يحتاج إلى مثقفين يجمّلون الحرب، بل إلى عقول شجاعة تكسر أقنعة الجهوية، وتعيد الاعتبار لوطنٍ يتسع للجميع، أو لا يكون.
دلاس/تكساس
الجمعة الجامعة ١٩ ديسمبر ٢٠٢٥




