رأي

ثورة ديسمبر الباذخة: شعبٌ قال كلمته… ولا رجعة إلى ليل الاستبداد

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة

الثورة ليست حدثًا… بل وعيٌ حين يبلغ ذروته

لم تكن ثورة ديسمبر لحظة عابرة في تاريخ السودان، ولا انفجار غضبٍ مؤقت بسبب ضيق العيش، بل كانت لحظة اكتمال وعيٍ جمعيٍ نادر، حين قرر الشعب السوداني—بكل تنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي—أن يقول كلمته الأخيرة في وجه الاستبداد. خرج الناس لا لأن الخبز شحّ فقط، بل لأن الكرامة أُهينت، ولأن الدولة اختُطفت، ولأن الوطن صار رهينة لجماعات الهوس الديني وتحالف العسكر والفساد.

كانت ديسمبر إعلانًا واضحًا بأن هذا الشعب لم يعد يقبل أن يُحكم باسم الله زورًا، ولا باسم الأمن كذبًا، ولا باسم الوطنية زيفًا. كانت لحظة انكشاف كبرى، سقطت فيها الأقنعة، وظهر جوهر الصراع: إما دولة مواطنة مدنية ديمقراطية، أو دولة عصابة دينية–عسكرية.

حين يهتف الشارع… تسقط شرعية السلاح

في ديسمبر، لم يحمل الناس سلاحًا، لكنهم حملوا ما هو أقوى: الشرعية الشعبية. خرجت المدن والقرى، الهامش والمركز، النساء والكنداكات في المقدمة، يهتفون: حرية، سلام، وعدالة. لم يكن ذلك شعارًا شعريًا، بل برنامجًا سياسيًا أخلاقيًا كاملًا، يختصر معنى الدولة التي يريدها السودانيون.

أثبتت الثورة أن الشارع هو مصدر الشرعية الوحيد، وأن أي سلطة لا تستند إلى تفويض شعبي حقيقي هي سلطة مغتصِبة مهما ارتدت من بزّات أو احتمت بالدبابات. ولهذا لم تغفر قوى الردة للثورة زلزالها، لأنها نزعت عنها قدسية الزيف، وكسرت هيبة القمع.

لا عودة لمن خانوا الثورة وانقلبوا عليها

في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، لم يكن الانقلاب مجرد خطأ سياسي، بل خيانة مكتملة الأركان لثورة شعب. خيانة ارتكبتها جماعات الهوس الديني، ممثلة في الحركة الإسلامية وواجهاتها، بتحالفٍ مباشر مع قيادة عسكرية قررت الانحياز لمشروع الاستبداد بدل حماية الانتقال.

ذلك الانقلاب لم يكن نهاية الصراع، بل بدايته الحقيقية. فقد أكد بما لا يدع مجالًا للشك أن جماعة الإخوان المسلمين وقوى الردة لا تؤمن بالديمقراطية، ولا تقبل بالشعب مصدرًا للسلطة، وأنها مستعدة لإحراق البلاد كلها مقابل العودة إلى الحكم.

حرب 15 أبريل: محاولة دفن الثورة تحت الركام

حين أشعلت قوى الردة حرب 15 أبريل 2023، لم تفعل ذلك دفاعًا عن الوطن، بل سعيًا يائسًا للعودة إلى السلطة على جماجم وأشلاء السودانيين. كانت الحرب امتدادًا للانقلاب، ووسيلة أكثر دموية لسحق الثورة وكسر إرادة الشعب.

لقد أرادت تلك القوى أن تقول: إن لم نحكمكم بالانقلاب، فسنحكمكم بالفوضى. لكنهم فشلوا مرة أخرى، لأن الشعوب حتي وهي تنزف لم تنسَ من أشعل النار، ولم تُخدع بخطاب الوطنية الكاذب، ولم تنسَ أن هذه الحرب هي نتاج مباشر لتحالف الإسلام السياسي مع العسكر.

الدين بريء… والهوس الديني هو الجريمة

لم تكن ثورة ديسمبر ضد الدين، بل ضد استغلال الدين. ضد تحويل العقيدة إلى أداة قمع، وضد احتكار الحديث باسم الله، وضد توظيف المقدس لحماية الفساد والقتل والإقصاء.

جماعات الهوس الديني لم تدمّر السياسة فقط، بل شوّهت الدين نفسه، حين جعلته غطاءً للبطش، ووسيلة لإسكات الأسئلة، وسيفًا مسلطًا على رقاب المختلفين. ولهذا فإن لا مكان للإخوان المسلمين وقوى الردة في السودان الديمقراطي القادم، ليس انتقامًا، بل حمايةً للدين والدولة معًا.

الدولة المدنية ليست شعارًا… بل شرط الحياة

الدولة المدنية التي نادت بها ديسمبر ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء السودان موحدًا. دولة تقوم على المواطنة المتساوية، لا فضل فيها لقبيلة ولا جهة ولا دين ولا حزب. دولة يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية مهنية، لا لاعبًا سياسيًا ولا حارسًا لمشروع أيديولوجي.

دولة تُدار بالقانون لا بالفتاوى، وبالمؤسسات لا بالولاءات، وبالعدالة لا بالمساومات. وهذا هو جوهر الصراع الذي حاولت قوى الردة طمسه، لكنها فشلت.

العدالة ليست خيارًا… بل بوابة المستقبل

لا يمكن الحديث عن سودان جديد دون عدالة انتقالية حقيقية. عدالة تُنصف الشهداء، وتُحاسب القتلة، وتضع حدًا للإفلات من العقاب. فالديمقراطية التي تتجاوز الدماء تتحول إلى صفقة، والسلام الذي يتجاهل الجرائم يصبح هدنة مؤقتة.

الثورة لن تقبل بتسويات تُعيد تدوير المجرمين، ولن تقبل بمشاريع سياسية تُغلق ملف الجرائم باسم الاستقرار. الاستقرار الحقيقي لا يقوم إلا على الحقيقة والمحاسبة.

الثورة مستمرة… لأن الفكرة لا تموت

قد تتعثر الثورات، قد تُخدع، قد تُحاصر، لكن الفكرة لا تُقتل. ديسمبر اليوم ليست في الشارع فقط، بل في الوعي، في الذاكرة، في رفض الناس لأي خطاب يعيد إنتاج الاستبداد تحت أي مسمى.

جيل ديسمبر تعلّم، ونضج، ويدرك الآن أن المعركة طويلة، وأن التنظيم ووحدة الصف وبناء الجبهة المدنية الواسعة هي أدوات المرحلة القادمة. جبهة تضع وقف الحرب، وحماية المدنيين، واستعادة المسار الديمقراطي في مقدمة أولوياتها.

لا رجوع إلى الوراء… والسودان ملك شعبه

في ذكراها السابعة، نقولها بوضوح لا لبس فيه: لا عودة لجماعات الهوس الديني، لا عودة للإخوان المسلمين، لا عودة لقوى الردة. السودان الذي حلمت به ديسمبر لن يُحكم مرة أخرى بالخوف، ولن يُختطف باسم الدين، ولن يُدار من غرف الظلام.

هذا السودان القادم رغم الألم سيكون سودان الشعوب السودانية كلها، بتنوعها وكرامتها وتطلعاتها. سودان يُصنع بالإرادة الشعبية، لا يُفرض بالقوة، ويُحرس بالوعي، لا بالسلاح.

المجد والخلود للشهداء

النصر لثورة ديسمبر الباذخة

ولا نامت أعين الجبناء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!