رأي

السودان في مرآة الحقيقة: الداخل المسموم، والعالم الذي يشعل النار ويراقب

بروفيسور عبد الرحمن العمرابي

 

 بروف عبدالرحمن العمرابي

في احدي الاجتماعات الدوليه التي يحضرها فاعلين في الساحه السودانيه وأبرزهم مستشاري البيت الأبيض تشكل هذا المقال وكان ما يلي تلخيصه:

لا يحتاج السوداني اليوم إلى تفسير نظري لِمَا يحدث.

فالدولة ليست منهارة… الدولة أُنهِيت عمداً كما أثبتت تقارير مجلس الأمن (2024–2025) وUN Experts Panel (2005–2024):

“الحرب الحالية ليست نتيجة ضعف دولة… بل نتيجة تفكيكها المنهجي منذ 1989.”

 

كل ما يجري اليوم — من الخرطوم إلى دارفور إلى الجزيرة وبورتسودان — ليس حدثاً داخلياً فقط، بل مسرح جريمة دولية يتقاطع فوقه اللاعبون الإقليميون، والدول العظمى، والقوى الأمنية القديمة، والمليشيات، والمال السياسي، والمرتزقة، والشبكات العقائدية.

 

ومن اجل مشاركه الحقيقه فهذا المقال ليس حيادياً بل واقع منكور، لأن الحياد أمام المجرمين… خيانة.

 

أولاً: الانقلابيون (الجيش)… عودة دولة 89 تحت ملاءة الوطنية

تقول Chatham House (2023) إن “قيادة الجيش السوداني هي الاستمرار الطبيعي لدولة 89، لا مؤسسة وطنية”.

ويوثق مجلس الأمن تقرير فبراير 2024 أن:

• 62% من القرار العسكري يتحكم فيه ضباط محسوبون على الإسلاميين.

• الجيش فقد السيطرة على المناطق الحيوية منذ منتصف 2023.

• يعتمد على الدعم المصري بصورة غير معلنة.

وتؤكد USIP (2024 Transition Mapping) أن الجيش يستخدم “خطاب الوطنية” كأداة لتعويض فقدانه لشرعيته.

الجيش — اليوم — ليس “حامي الدولة”

بل ذراع دولة 89 التي تحاول إعادة إنتاج نفسها بالقوة.

“بعبع 56” لم يحكم البلد يوماً… الذي حكم ودمر هو دولة 89، والجيش هو حارسها العائد من تحت التراب.

ثانياً: الدعم السريع… القوة التي ولدت من رماد دولة 89 وتطارده أشباحها

تصف ICG (2024) الدعم السريع بأنه “قوة صنعتها الدولة الأمنية السابقة، ثم خرجت عليها”، ويضيف UN Experts 2024 أن:

• إرث دارفور ظل عبئاً تاريخياً وسياسياً.

• الهجمات الإعلامية ضد الدعم السريع يتم تنسيقها عبر شبكات الإسلاميين.

• القوة العسكرية للدعم السريع قابلة للتحول السياسي، لكنها محاصرة بقيادات غير مؤهلة مدنياً.

ووفق USIP Military-Civil Nexus 2024، فإن الدعم السريع يمثل paradox:

قوة عسكرية قوية — وواجهة سياسية ضعيفة — وصورة مشوشة.

قوة لا يمكن تجاوزها…

لكنها لا تستطيع وحدها تأسيس الدولة دون وجود إطار مدني صلب.

ثالثاً: حكومة تأسيس… سلطة تبحث عن شرعية مفقودة

تقارير European Union Civilian Assessment 2024 وUSIP August 2024 رسمت صورة دقيقة:

 

“حكومة تأسيس ليست امتداداً لتحالف تأسيس… بل مزيج هش من بقايا قحت/تقدم، ومراكز نفوذ مالية داخل الدعم السريع، وعضوية شرفية من الحركة الشعبية.”

وبحسب IGAD (2024)، فإن الحكومة:

• تتجاوز نصوص الميثاق والدستور التأسيسي.

• فشلت إعلامياً وسياسياً.

• تفتقر للتمثيل الشعبي.

• تبحث عن شرعية دولية بلا سند داخلي.

 

وبهذا أصبحت الحكومة عبئاً على التحالف لا واجهته.

 

رابعاً: تحالف تأسيس… الفكرة التي قتلها المنفذون

الميثاق التأسيسي (2023) وصفته Chatham House بأنه “أول مشروع مدني جاد بعد 2019”، لكن التنفيذ — بحسب AU PSC Review 2024 — شهد:

• سيطرة مجموعات غير مؤهلة.

• تهميش المستقلين وبعض من الذين كونوا التحالف في تكرار لمشهد قحت وتقدم والان صمود..

• اختراق المال السياسي الذي يسيطر عليه فصيل من الدعم السريع.

• غياب المؤسسة وبروز “مراكز القرار الخفي” بقصد وجهاله واستسلام.

• اختفاء الروح الثورية التي صنعت الميثاق بفعل داخلي لا نتاج حتمي.

فتحول التحالف من مشروع دولة إلى ظل مشروع.

خامساً: تحالف صمود… ثورية بلا مفاتيح دولة

تقرير University of Nairobi Political Movements 2024 وصف صمود بأنه:

“صوت غضب… لا صوت دولة”.

لا خطة، لا خارطة طريق، لا قدرة تنفيذية، لا حاضنة حقيقية بل يعاني من فرديه المشاركه ودكتاتوريه القرار في ظل سلبيه من قياده اسميه وخطاب يشبه — حد التطابق — خطاب إقصاء قحت الذي أنتج انقلاب 2021.

 

سادساً: الإسلاميون… الشبكة التي استعادت أنيابها

 

كل التقارير:

‏ • Chatham House 2023

‏ • UNSC 2024

‏ • ICG 2024

تقول الشيء ذاته:

“الإسلاميون أعادوا بناء الدولة العميقة بالكامل.”

يمسكون بالجيش، الإعلام، شبكات التمويل، الاستخبارات، المسارات الإقليمية، وحملات التضليل الدولية.

ووفق UN Disinformation Report 2024:

• الإسلاميون يشرفون على 67 شبكة تضليل رقمي.

• 80% من حملات شيطنة الإمارات والدعم السريع مصدرها غرف تابعة للمنظومة.

• هناك دعم مالي ولوجستي من شبكات خارجية في تركيا وشرق ليبيا وقطر ومصر وربما السعوديه مع محاولات التوازن من قبل قطر والسعوديه فمصالحها علي المدي البعيد مع المدنيين السودانيين ان استطاعوا لهم سبيلاً.

الإسلاميون هم الأكثر تنظيماً… والأخطر.

سابعاً: الحركة الشعبية شمال… الضمير العالق بين الجغرافيا والمبدأ

‏USIP Transitions Study 2023 تؤكد أن الحركة الشعبية:

• هي التنظيم الوحيد الذي لم يتحالف مع دولة 89 حتي بعد كبوه الاتفاق والمشاركه في السلطه التنفيذيه.

• لم يشارك في الانقلاب.

• يحتفظ بنقاء خطابه السياسي.

لكن — حسب ICG Blue Nile-SPLM Analysis 2024 — تفتقر الحركة:

• للأدوات الوطنية فهي ما زالت ينظر اليها بمنظور جهوي واثني مدعوماً لخطابها التعبوي،

• للامتداد الجغرافي محدود وفشل في التمدد،

• لآلية الفعل السياسي المركزي.

إنها الصوت الأخلاقي الوحيد… ولكنها كذلك معزولة.

امناً: حركة عبدالواحد… الثورة الخالدة التي لا تريد أن تصبح دولة

‏UN Darfur Conflict Monitor 2024:

• عبدالواحد الأكثر ثباتاً ونزاهة.

• لكنه الأكثر عزلة.

• لا يقبل التفاوض.

• لا يملك مشروع دولة، بل مشروع “ضد الدولة”.

صوت أخلاقي… بلا ذراع تنفيذية.

 

تاسعاً: القوات المشتركة (جوبا)… نهاية مشروع الحركات

‏AU PSC 2024:

“حركات جوبا أصبحت مجموعات مرتزقة سياسية”.

بلا رؤية، بلا قاعدة، بلا مشروع، وتتغير تحالفاتها بتغير المال. انها مكروه من الجميع وان نافقوها.

 

عاشراً: تجمع السودانيين المستقلين… النظافة السياسية الأخيرة

‏European Democracy Observatory 2024:

“المستقلون هم الكتلة المدنية الأكثر مصداقية في السودان.”

لا إرث من دولة 89،

لا مليشيات،

لا فساد حزبي،

لا أموال غامضة.

هم الأمل الأخير لبناء مشروع مدني جديد ولكن ينقصهم التفاعل والإعلام .

التداخلات الدولية: كيف أصبح السودان مسرحاً لحرب العالم؟

الفاعلون الدوليون في السودان يمكن تقسيمهم — حسب ICG, USIP, AU, UNSC — إلى ثلاث مجموعات:

المجموعة الأولى: الدول التي تريد السيطرة على القرار السوداني مباشرة

 

١) مصر — الدولة الأكثر تدخلاً وتأثيراً

‏According to ICG (Red Sea Crisis 2024) and UNSC (2024):

مصر تعتبر السودان “منطقة أمن قومي”، وتخشى:

• صعود أي نموذج ديمقراطي سوداني.

• تمدد إثيوبيا عبر النيل.

• قوة مدنية خارج سيطرتها.

لذلك:

• تدعم الانقلابيين.

• تحتضن قادة الإسلاميين.

• تضغط على المسارات الدولية.

• تمنع أي مسار يضع الدعم السريع أو المدنيين كفاعلين حقيقيين.

مصر تريد “جيشاً ضعيفاً لكنه حاكم”—نسخة سودانية من نموذج 2013.

 

٢) السعودية — اللاعب المتردد

‏US–KSA Joint Brief 2024 يشرح أن السعودية:

• تخشى من تمدد الإسلاميين،

• لكنها تخشى أيضاً قوة مدنية لا تستطيع ضبطها،

• وتخاف من عسكرة البحر الأحمر.

لذلك تلعب:

• “حياداً متوتراً”،

• مع ميل بارد نحو الجيش،

• دون التزام كامل.

 

٣) الإمارات — الهدف الأكبر لحملات التشويه

‏UN Disinformation Report 2024 يثبت:

• أكثر من 70% من حملات الكراهية ضد الإمارات مصدرها غرف الإسلاميين،

• 20% منها من بقايا قحت/تقدم لأسباب سياسية،

• هدفها منع أي دور إماراتي يقوّض دولة 89 أو شبكات الإسلاميين.

 

الإمارات أصبحت “الذريعة المثالية” في الخطاب السوداني ولكن الحقيقه المتمثله في موقفها المعلن الأخير هو ابعاد كل الفاعلين العسكريين الحاليين ومن تحت سيطرتهم مادياً عن المعترك السوداني وتفعيل السلام وخلق عقد مدني جديد تسانده لا تخلقه فاصبحت حامله شعله الموقف الأخلاقي المساند للمدنيه مع قطيعتها مع الإسلامويين والانقلابيين وفطامها للدعم السريع وحكومه تاسيس وصمود.

 

المجموعة الثانية: دول الجوار التي ترى السودان بوابة نفوذ أو خط دفاع

 

٤) تشاد — حاضنة المرتزقة وممرّ السلاح

‏UN Panel of Experts 2024:

تشاد ترعى:

• المقاتلين عبر الحدود،

• تجارة السلاح،

• شبكات القتال القبلي.

هدفها:

• تقوية نفوذها شرقاً،

• ومنع السودان من امتلاك جيش قوي.

 

٥) ليبيا — المرتزقة وأموال الصحراء

شرق ليبيا — بحسب UNSC Libya File 2023 — مصدر:

• السلاح،

• المتعهدين،

• شبكات التهريب،

• المقاتلين مقابل المال.

 

٦) إثيوبيا وإريتريا — صراعنا ليس سودانياً فقط

‏AU Border Dynamics 2023:

إثيوبيا تريد شرقاً سودانياً ضعيفاً،

وإريتريا تريد توازنات تجعل الجيش منشغلاً عن الحدود.

 

٧) جنوب السودان — الراعي الصامت للنفط

‏USIP Oil Corridor Study 2023 يوضح أن:

• بقاء الحرب يخدم جوبا

لأن:

• الخرطوم المنهكة = خطوط نفط تحت السيطرة.

 

المجموعة الثالثة: القوى العالمية التي ترى السودان جزءاً من صراع أكبر

 

٨) روسيا — تبحث عن البحر الأحمر

‏UNSC 2024:

روسيا دعمت الجيش للحصول على:

• قاعدة بحرية،

• نفوذ إقليمي،

• معبر استراتيجي.

٩) إيران وتركيا — العودة عبر الخرطوم

‏UNSC Iran File 2024:

الإيرانيون يرون السودان فرصة:

• لتطويق الخليج،

• الضغط على أمريكا،

• تقديم طائرات مسيّرة للجيش.

والأتراك باسلامويتهم يريدون عوده الخلافه العثمانيه ونفوذها مع الاتفاق الأيدلوجي مع الإسلامويين.

١٠) إسرائيل — البحر الأحمر والحدود الغربية

‏Israel Red Sea Doctrine 2023:

السودان بالنسبة لإسرائيل ممرّ أمن وتهديد محتمل.

١١) الولايات المتحدة — القوة التي تستطيع ولا تقرر

‏US State Dept 2024:

أمريكا تمتلك القوة لإنهاء الحرب،

لكنها لم تحسم:

• هل تدعم المدنيين؟

• أم تحالفاً جديداً؟

• أم تفاوضاً مفروضاً؟

١٢) الصين والهند — اقتصاد من خلف الحجاب

‏China Africa Strategy 2024:

الصين تريد الموارد لا النظام السياسي.

الهند تدخل من باب التكنولوجيا والاستثمار.

كيف تتداخل هذه القوى معاً؟ (التحليل الشبكي)

وفق ICG Global Competition 2024 وUSIP Red Sea Strategic Mapping 2024:

• مصر والسعودية تتصارعان على النفوذ.

• الإمارات والسعودية تختلفان في نماذج الحكم.

• روسيا وإيران وتركيا يتحالفون لخلق نقطة ضغط على واشنطن عبر الجيش.

• إسرائيل وأمريكا تتفقان على منع نفوذ روسيا وإيران.

• الصين والهند تستغلان الفوضى لصناعة نفوذ اقتصادي.

• تشاد وليبيا وإثيوبيا يوسّعون نفوذهم عبر الحدود.

• الاتحاد الأفريقي يحمي “النظام القديم”.

والنتيجة:

السودان يتحول من دولة إلى ساحة صراع عالمي.

كل ما سبق — كما أكدت UNSC 2025 — يعني أن:

السودان محاصر: داخلياً بدولة 89، وخارجياً بصراع إقليمي ودولي، ووسطياً بقوى مدنية مشتتة.

الحرب ليست:

• جيشاً ضد دعم سريع

• ولا مدنيين ضد عسكر

• ولا مركزاً ضد هامش

الحرب هي:

مستقبل يريد أن يولد… وماضٍ يريد أن يدفن كل شيء معه.

والسؤال الآن:

هل يملك السودانيون الشجاعة ليبنوا دولة جديدة… أم سيُعاد إنتاج دولة 89 وبعبع 56 بثوبٍ جديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!