رأي

الجيش المختطَف: مليشيا الحركة الإسلامية وحقيقة السيطرة الكاملة على السلاح في السودان

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

لم يعد توصيف الجيش السوداني كمليشيا مختطفة بيد الحركة الإسلامية مجرد توصيف سياسي غاضب، بل حقيقة دامغة تؤكدها الوقائع، والتاريخ القريب، ومسار الحرب الدامية التي تعصف بالبلاد منذ أبريل 2023. فالجيش، كما هو قائم اليوم، لا يمثل قوة وطنية مهنية، بل مليشيا جرى تفريغها من مضمونها القومي وتحويلها إلى أداة تنظيمية تخدم مشروعاً أيديولوجياً محدداً.

منذ انقلاب 30 يونيو 1989، وضعت الحركة الإسلامية يدها على السلاح، وبدأت عملية منظمة لاختطاف الجيش. في البداية جرى إنكار الدور الإسلامي في الانقلاب، لكن الاعتراف جاء لاحقاً على لسان عمر البشير نفسه، وتبعه قادة إسلاميون أكدوا أن الانقلاب كان تعبيراً عن مشروع الحركة داخل القوات المسلحة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ تفكيك الجيش كقوة وطنية، وإعادة تركيبه كمليشيا حزبية.

اعتمدت الحركة الإسلامية سياسة الإقصاء والإحلال، فأُبعد الضباط المهنيون غير الموالين، وأُدخل عناصر التنظيم إلى الكليات العسكرية على مدى سنوات، وتمت ترقيتهم وفق معيار الولاء لا الكفاءة. هذه الممارسات لم تكن استثناءً أو أخطاء فردية، بل سياسة دولة هدفت إلى ضمان السيطرة الكاملة على السلاح، وتحويل الجيش إلى ذراع حامية للتنظيم.

اليوم، تتجلى نتائج هذا الاختطاف في أوضح صورها. وجود كتائب عقائدية مثل “البراء بن مالك” تقاتل إلى جانب الجيش، ليس تفصيلاً هامشياً، بل دليل قاطع على أن الجيش لم يعد سوى مليشيا مفتوحة أمام التشكيلات الإسلامية المسلحة. هذا الواقع أكدته تقارير إعلامية، وشهادات ضباط متقاعدين، وتحذيرات خبراء أمنيين دوليين تحدثوا صراحة عن نفوذ الإخوان داخل الجيش.

الحرب الحالية كشفت جوهر الصراع. فالحركة الإسلامية لا ترى في هذه الحرب مأساة وطنية، بل فرصة ذهبية لإعادة التمكين السياسي، واستعادة السيطرة التي فقدتها بعد سقوط نظام البشير في 2019. لذلك، تعمل بكل ما تملك لإطالة أمد القتال، ونسف أي مسار سياسي يمكن أن يؤدي إلى سلطة مدنية ديمقراطية، لأن ذلك يعني نهاية مشروعها.

إن الجيش، بوضعه الحالي، ليس جيش دولة، بل مليشيا مختطفة تخضع لإرادة الحركة الإسلامية. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس استهدافاً للوطن، بل شرطاً لإنقاذه. فلا سلام دون تفكيك هذه المليشيا، ولا انتقال ديمقراطي دون نزع السلاح من قبضة الإسلاميين، ولا دولة جديدة دون جيش وطني يُعاد بناؤه من الصفر، بعيداً عن العقيدة والحزب والتنظيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!