
سمية النور دهب… دبلن
في السودان، لم تعد الدولة هي من يحتكر السلاح، بل أصبح السلاح هو من يفرض معادلاته على الدولة الغائبة. وبين هذا الفراغ، يقف الجيش في صورته الراهنة لا كقوة وطنية جامعة، بل كمليشيا مختطفة، أعيد تشكيلها عبر عقود لتخدم مشروع الحركة الإسلامية، وتتحرك وفق حساباتها السياسية لا وفق مصلحة الشعب السوداني.
هذا الواقع لا يرتبط فقط بحرب أبريل 2023، بل هو نتاج مسار طويل بدأ بانقلاب 30 يونيو 1989، حين لم يكن الهدف مجرد الاستيلاء على السلطة، بل تسليم السلاح لتنظيم أيديولوجي. منذ ذلك التاريخ، جرى تفكيك مفهوم الجيش الوطني تدريجياً، وتحويله إلى أداة حزبية، تختلط فيها العقيدة بالرتبة، والولاء التنظيمي بالأوامر العسكرية.
على مدى ثلاثة عقود، نفذت الحركة الإسلامية عملية إحلال ممنهجة داخل الجيش، عبر إبعاد الضباط المهنيين غير الموالين، وفتح الكليات العسكرية أمام عناصر التنظيم، ثم ترقيتهم وفق معيار الانتماء لا الكفاءة. وبهذا، لم يعد الجيش يمثل الدولة، بل صار يمثل شبكة مصالح سياسية ترى في نفسها وصية على الوطن وسلطته.
الحرب الحالية كشفت هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق. فالجيش لا يخوض معركته دفاعاً عن المدنيين أو وحدة البلاد، بل يخوضها كجزء من صراع على السلطة، تحرّكه حسابات إعادة التمكين. ولهذا، لم يكن مستغرباً أن يقاتل إلى جانبه تشكيلات عقائدية مسلحة مثل “كتائب البراء بن مالك”، في مشهد يؤكد انهيار أي ادعاء بالمهنية أو الحياد.
السلاح هنا لم يعد أداة دفاع، بل وسيلة ابتزاز سياسي. فالحركة الإسلامية تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة تاريخية للعودة إلى المشهد بعد سقوط نظامها في 2019، وتصفية حساباتها مع ثورة ديسمبر، وقطع الطريق أمام أي انتقال مدني ديمقراطي. وكلما طال أمد الحرب، زادت فرصها في فرض نفسها كأمر واقع.
القلق الدولي المتزايد، خاصة في أوروبا، يعكس إدراكاً متأخراً لطبيعة هذا الخطر. فحين تتحول قوة مسلحة إلى مليشيا أيديولوجية، فإن تهديدها لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى الإقليم عبر الفوضى والهجرة غير النظامية وفتح المجال أمام شبكات التطرف. ولهذا بدأت مواقف دولية تتغير، وظهرت عقوبات ورسائل واضحة تشير إلى أن استمرار التنسيق مع الإسلاميين يضع الجيش في خانة العزلة.
المشكلة في السودان ليست تعدد البنادق فقط، بل فيمن يسيطر عليها ولماذا. وما لم يتم الاعتراف بأن الجيش الحالي هو مليشيا مختطفة، فلن يكون هناك سلام حقيقي. تفكيك هذه البنية، ونزع الطابع الحزبي عن السلاح، شرط أساسي لبناء دولة جديدة. فالدولة لا تقوم على مليشيا، والسلام لا يولد من سلاح منفلت، ولا مستقبل يُبنى على إنكار الحقيقة.



