رأي

هندسة الصراع في السودان: قراءة تاريخية في تركيبة الجيوش ودور الشرق

عماد جدو

 

عماد ابكر جدو 

لا يمكن مقاربة الصراع السوداني الراهن بوصفه حدثًا عسكريًا معزولًا عن سياقه التاريخي، بل هو امتداد لبنية عميقة تشكلت عبر قرون من توظيف القوة في غير سياقها الوطني. فالأزمة الحالية تعكس صراعًا قديمًا حول طبيعة الدولة، وعقيدة الجيوش التي حملت السلاح باسمها، ومن يخدمون في نهاية المطاف.

يرى عدد من المفكرين، من بينهم الأستاذ محمد الحوار (في تسجيله الصوتي)، أن الدولة المهدية كانت أول دولة وطنية سودانية مكتملة الإرادة، إذ نشأت من رحم المجتمع، واعتمدت على تعبئة اجتماعية واسعة، لا على إرادة خارجية. وبعد سقوطها، لم ينجح السودان في بناء دولة وطنية حقيقية، وظلت الدولة قائمة على إرث استعماري أعاد إنتاج نفسه بأدوات محلية. ومن هنا يبرز الحديث عن دولة التأسيس باعتبارها الدولة الوطنية الثانية المنشودة.

عثمان دقنة والشرق السوداني

يمثل القائد عثمان دقنة أحد أبرز رموز المقاومة الوطنية، خاصة في شرق السودان، حيث قاد جيوشًا اجتماعية متعددة الرايات، واستطاع كسر المربع الإنجليزي-التركي-المصري، مثبتًا أن الهامش قادر على لعب دور مركزي في معادلة السلطة. ولم يكن نجاحه عسكريًا فحسب، بل اجتماعيًا وسياسيًا، إذ استند إلى تحالفات قبلية ومجتمعية واسعة.

في هذا السياق، يقرأ بعض المراقبين ظهور وتصريحات السيد عبدالله دنيا في منطقة همشكوريب بشرق السودان باعتبارها امتدادًا رمزيًا وتاريخيًا لذلك الدور، لا مجرد موقف سياسي عابر. فالشرق، تاريخيًا، ظل أحد مفاتيح التوازن في السودان، وأي تجاهل له يؤدي إلى اختلال المعادلة الوطنية.

جيش البازنقر: القوة كأداة للهيمنة

تاريخ تكوين الجيوش في السودان يكشف عن نماذج غير وطنية، من أبرزها جيش البازنقر الذي ارتبط بتجارة الرقيق في عهد الزبير ود رحمة. فقد تأسس هذا الجيش على عقيدة تقوم على صيد الرقيق، واستهداف المكونات الاجتماعية التي تمتاز بالقوة الجسدية، ثم إعادة توظيف بعض أبنائها بعد إخضاعهم بالتدريب وغسل الوعي، ليصبحوا أدوات طيعة لحماية مصالح النخبة المسيطرة.

هذا النموذج لم يكن معنيًا ببناء دولة أو حماية مجتمع، بل بخدمة اقتصاد العنف والهيمنة، وهو ما جعله نقيضًا لأي جيش وطني.

الباش بزق وإرث الدولة القديمة

أما وحدات الباش بزق في العهد التركي-المصري، فقد كانت قوات غير نظامية، اشتهرت بالعنف والقمع، وعملت على تثبيت سلطة المركز دون أي ارتباط اجتماعي حقيقي بالمجتمعات المحلية. ويذهب هذا الطرح إلى أن بعض ملامح هذه البنية ما زالت حاضرة في تكوين وعقيدة الجيش النظامي السوداني، خاصة في علاقته بالسلطة السياسية، حيث ظل الجيش يُستخدم كأداة لحماية الدولة القديمة، لا كجيش يعكس التنوع الاجتماعي ويخضع لرقابة وطنية.

الدعم السريع: قراءة مختلفة

في المقابل، يرى أصحاب هذه القراءة أن قوات الدعم السريع – من حيث التكوين الاجتماعي – تمثل استنساخًا حديثًا لجيوش المهدية بتعدد راياتها ومصادرها الاجتماعية، مع اختلاف واضح في العقيدة عن جيش البازنقر أو وحدات الباش بزق. ويُنظر إليها بوصفها نتاجًا لتحولات عميقة في الهامش، لا يمكن فهمها خارج سياق التاريخ الطويل للصراع بين المركز والأطراف، بغض النظر عن الموقف السياسي منها.

الشرق والحوار كمدخل للحل

انطلاقًا من هذه القراءة، فإن بروز شخصيات اجتماعية-سياسية مثل عبدالله دنيا في شرق السودان يُفهم باعتباره تعبيرًا عن دور تاريخي متجدد للشرق، خاصة بين مكونات الهدندوة، وهم أحفاد جيوش عثمان دقنة. ومن هنا، يطرح هذا الاتجاه ضرورة فتح باب الحوار مع هذه القيادات، باعتبار الحوار جزءًا من هندسة الصراع والحل، لا تنازلًا أو ضعفًا.

خاتمة

إن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، لكنه يكشف أنماطًا متكررة. وبدون قراءة واعية لتركيبة الجيوش وعقائدها، سيظل السودان يدور في حلقة عنف مغلقة. فمشروع دولة التأسيس لا يقوم بالسلاح وحده، بل بإعادة تعريف الجيش بوصفه مؤسسة وطنية خاضعة لإرادة المجتمع، وبناء عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!