رأي

​سوسيولوجيا الانسلاخات العسكرية في السودان: صراع “الهندسة الاجتماعية” وأزمة الوعي الثوري

مليح يعقوب

 

مليح يعقوب

​لا يمكن النظر إلى الانسلاخات العسكرية الراهنة بمعزل عن صراع “الهندسة الاجتماعية” وأزمة الوعي الثوري؛ مع التأكيد على أن ظاهرة الانسلاخات تعد أمراً طبيعياً ومتوقعاً للغاية في مثل هذه الحروب المعقدة، ولن تؤثر مطلقاً في مسار القضية الأساسية؛ قضية “الهامش السوداني العريض” العادلة، المتمثلة في تفكيك بنية دولة المركز الأحادية، وإعادة تأسيس دولة عادلة قائمة على مبادئ الحرية، والعدالة، والمواطنة المتساوية.

​وإذا نظرنا إلى التاريخ القريب، سنجد أنه قد انشق في السابق عن مشروع “السودان الجديد” قادة كبار وساسة بارزون، دون أن يغيروا شيئاً من مجريات الصراع، أو يزحزحوا مشروع التحرر قيد أنملة. وفي مقدمة هؤلاء رئيس الوزراء الأسبق الإمام الصادق المهدي، الذي انضوى في تسعينيات القرن الماضي تحت راية “التحالف الوطني الديمقراطي” المتحالف مع الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق؛ حيث ما لبث أن نكث بالعهود وغادر المعركة ليعود إلى حاضنة النظام القديم (الحركة الإسلامية) عبر ما سُمي آنذاك بعملية “تفلحون/ تهتدون”. ولحق به آخرون عبر المحطات التاريخية المختلفة دون أن يغيروا من حتمية التاريخ شيئاً. وعلى مدى تاريخ الحروب السياسية في السودان، ظل هذا التخاذل يتكرر من ساسة من العيار الثقيل، دون أن يؤثر ذلك في الميعاد المبدئي للتغيير، فكيف لانسلاخات محدودة مثل “النور قبة” أو “السافنا” أن تفعل ذلك؟

​تنطلق قراءتنا هذه من زاوية بالغة الأهمية في علم الاجتماع الثوري؛ وهي أن “دولة 1956” نجحت تاريخياً في توظيف “الوعي المجتمعي البسيط” والتجهيل لصالحها، في حين أخفق قادة التغيير (تحالف التأسيس) نسبياً في تحييد هذا الجهل وتوجيهه لخدمة مشروع المواطنة. إن انسلاخ قيادات مثل “النور قبة” و”السافنا” وعودتهم إلى حاضنة المركز الأحادية، هو انسلاخ سياسي مؤقت، آني ولحظي، محكوم بالعاطفة، والمصلحة الشخصية، والمنفعة التكتيكية الضيقة. إنه يمثل انعكاساً مباشراً لغياب الوعي الجذري بالمشروع، وعدم امتلاك الأدوات المعرفية اللازمة لاستيعاب طبيعة الصراع البنيوي؛ مما جعلهم مادة مرنة أتقنت الحركة الإسلامية اللعب عليها عبر التناقضات المجتمعية والقبلية.

​ولتقييم هذا المشهد وتفكيكه بموضوعية، نطرح المحاور الاستراتيجية التالية:

​1. غياب الوعي الثوري البديل والسقوط في الثنائية الصفرية

​لو كان أمثال “النور قبة” و”السافنا” يمتلكون أدوات الوعي الثوري الحقيقي، لاختاروا خيارات بديلة تخدم قضايا مناطقهم دون الارتماء مجدداً في أحضان المركز؛ لذا فإن التوصيف الدقيق لحالتهم هو “الارتداد عن المشروع” والتنكر لقضايا الهامش. فالوعي الثوري الحقيقي لا يتحرك بـ “ردود الأفعال” أو الغبن اللحظي، انما ينطلق من رؤية استراتيجية تهدف إلى تفكيك بنية الهيمنة وتأسيس البديل الشامل.

​إن غياب هذا الوعي جعل خيارات هؤلاء القادة تنحصر في “ثنائية صفرية” مأزومة؛ إما الانكفاء تحت المظلة العسكرية الراهنة، أو الارتداد إلى الخيار النقيض وهو معسكر المركز الذي ثاروا ضده ابتداءً. هذا الانتقال الحاد يثبت غياب “الكتلة الثالثة” أو الخيار المستقل في ذهن أولئك القادة، وهو الخيار الذي كان يمكنه حماية القضية الاستراتيجية للهامش دون التماهي مع أطراف الصراع التقليدية.

​2. هندسة الجهل مقابل نخبوية الخطاب

​ما يمكن تسميته بـ “توظيف الجهل” هو في الواقع “إدارة واستغلال الوعي المجتمعي البسيط وتناقضاته”. وهنا تبرز المقارنة بين مدرستين:

​المدرسة التقليدية (الحركة الإسلامية والمركز): تمتلك خبرة تاريخية ممتدة في “الهندسة الاجتماعية” واللعب على أوتار القبلية، والمظالم المحلية، والشعارات الدينية والوطنية العاطفية. لقد نجحت في تحويل “الغبن الريفي” إلى وقود لإعادة إنتاج سلطتها.

​تحالف التأسيس وقوى التغيير: يعاني في المقابل من فجوة ناتجة عن “النخبوية والأكاديمية المفرطة” في خطابه الإعلامي والسياسي. لقد فشل التحالف في ترجمة مفاهيم مثل “السودانوية” والفيدرالية الاقتصادية إلى لغة بسيطة تلامس وجدان ومصالح الإنسان العادي أو القائد الميداني في أرياف السودان. وعندما يجد القائد الجبان المتردد نفسه أمام خطاب نخبوي معقد لا يوفر حلولاً عاجلة أو أماناً، مقابل إغراءات أو خطابات عاطفية وتعبوية من المركز، فإنه يميل غريزياً للخيار الأخير.

​3. جدلية الهامش والمركز: جهلٌ أم تجهيل؟

​إن الضعف المعرفي والسياسي في الهامش لا يمكن تصويره كطبيعة متأصلة في إنسان تلك المناطق، انما هو نتاج “تجهيل ممنهج ومدروس” مارسته دولة المركز عبر عقود طويلة؛ تمثل في حرمان هذه المناطق من التعليم والتنمية، وعزلها عن الفضاء المعرفي، وتحويلها تاريخياً إلى كتل تصويتية في الديمقراطيات الشائهة أو بنادق للإيجار في الأزمات.

​في المقابل، يمتلك المركز “وعياً مصلحياً غريزياً” يحمي امتيازاته التاريخية. وخطورة “الأمية الاستراتيجية” لدى بعض قيادات الهامش تجعلهم يُلدغون من الجحر ذاته مراراً وتكراراً.

​4. خطورة ردود الأفعال وضرورة الخطاب الإعلامي الموحد

​إن تعامل بعض ناشطي وإعلامي قوى الثورة والتأسيس بردة فعل حادة وتخوين سطحي ومباشر لهؤلاء القادة ومجتمعاتهم عقب انسلاخهم، يعد جزءاً من الأزمة لا حلاً لها. هذا الهجوم العنيف ينتج عنه أثران كارثيان:

​دفع المزيد من القادة المترددين نحو الارتماء في معسكر المركز كخيار وحيد للحماية.

​تعميق الشروخ الاجتماعية وتحويل الصراع من صراع “بنيوي سياسي” إلى مواجهة “جهوية وقبلية”، وهو ما تهدف إليه الثورة المضادة تماماً.

​ملامح الخطاب الإعلامي المطلوب لبناء السودان الجديد

​لإعادة هندسة المشهد وتحييد “الوعي البسيط” لصالح مشروع التغيير، يجب على “تحالف التأسيس” تبني استراتيجية إعلامية ومعرفية تقوم على:

​التبسيط المعرفي: استبدال المصطلحات الأكاديمية المعقدة بلغة اجتماعية قريبة من وجدان الناس؛ كشرح “الفيدرالية اللامركزية” بوصفها حقاً في الموارد والخدمات والأرض، والتبشير بـ “السودانوية” كاحترام للتنوع الثقافي (مثل رقصات المردوم، الهداي، والتراث المحلي) وربطه بالهوية الوطنية الشاملة.

​المحاسبة البنيوية كبديل للمحاسبة الشخصية: عندما ينسلخ قائد، يجب ألا يركز الخطاب على تخوينه وشتمه شخصياً، بل على كشف آلية الخداع؛ بشرح كيف تُستغل قضايا الهامش كوقود لمعارك لا تخدم أهله، وكيف يُستخدم أبناء الريف لتثبيت أركان النظام الذي همشهم.

​أدوات الوعي الريفية: تفعيل أدوات إعلامية بديلة وخفيفة (كالتسجيلات الصوتية القصيرة، والبودكاست، والإذاعات الموجهة) بلهجات ولغات المجتمعات المحلية لتعرية آليات التضليل الاستراتيجي التي يمارسها المركز.

​خلاصة القول:

​إن انضمام “النور قبة” أو “السافنا” لمعسكر النظام القديم ليس إلا “عرَضاً” للمرض وليس المرض نفسه. المرض الحقيقي يكمن في أزمة الوعي، والاستقطاب الحاد، وعجز قوى التأسيس عن كسر الجدار الإعلامي المضاد، والقصور في التبشير بمشروع الفيدرالية والمواطنة بأدوات معرفية وفنية بسيطة يستوعبها إنسان الريف.

​إذا أراد معسكر “السودان الحديث” أن ينتصر، فعليه ألا يكتفي بإدانة مواقف هؤلاء القادة أو الندب على “جهلهم”، وينبغي عليه أن يتحمل مسؤوليته التاريخية في صهر الفكر الأكاديمي والنخبوي في بوتقة سياسية وإعلامية رشيقة ومفهومة. إن المهمة العاجلة اليوم هي تحويل “الوعي البسيط” الذي يمتلكه المواطن العادي من مادة خام قابلة للتلاعب والتوظيف من قبل الثورة المضادة، إلى درع صلب يحمي مشروع التحول الديمقراطي والفيدرالي الحقيقي في سودان المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!