رأي

“كسر تماسك الرباعية: صراع المصالح وغياب السلام في السودان”

اللواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

 

اللواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

يبدو أن الخلافات بين الإمارات والسعودية في اليمن، رغم كونها ليست قطيعة دائمة، تشير إلى تحول جذري في إدارة الأزمات على مستوى المنطقة. وعلى صعيد الملف السوداني، أصبح من الواضح أن غياب راع ضاغط واحد قادر على فرض تسوية قد أتاح الفرصة للقوى الدولية والإقليمية لتتدخل، مما يعني أن السلام لم يعد أولوية، بل أصبح ورقة تفاوض مؤجلة.

لطالما كانت الولايات المتحدة، عبر تحركاتها الدبلوماسية في الشرق الأوسط، تقود الجهود الدولية لإيجاد حلول للأزمات في المنطقة. لكن في الحالة السودانية، انتقل ملف الأزمة من إدارة الأزمة إلى إدارة المصالح. ومع تصاعد الحضور الإقليمي، أصبحت البلدان مثل مصر وتركيا وقطر أكثر تأثيرًا في الوضع السوداني. ونتيجة لذلك، أصبح المشهد السياسي السوداني ساحة لتصفية الحسابات والتوازنات الإقليمية والدولية أكثر من كونه مسارًا لتحقيق سلام حقيقي.

أحد العوامل المهمة في هذا الصراع هو سلوك البرهان، الذي اتبع استراتيجية واضحة لكسب الوقت. فالرجل يدرك جيدًا أنه في ظل الانشغال الدولي، لا بد له من الاستفادة من التقاطعات الإقليمية والدولية لكسب دعم مستمر من حلفائه، سواء كانوا في مصر أو في الإقليم الأوسع. وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري كداعم استراتيجي للبرهان، خاصة في ظل الملفات الأمنية الحساسة التي تربط القاهرة بأمنها القومي في السودان. هذا الدعم المصري يمنح البرهان فرصة للاستمرار في مواجهة التحولات الداخلية، وكذلك في إعاقة التقدم الذي تحققه قوات الدعم السريع وحكومة “تأسيس” بقيادة محمد حمدان دقلو، والتي تسعى لتغيير النظام بأكمله.

يتمحور الصراع اليوم حول كسب الوقت، حيث يواجه البرهان تحديات حقيقية على الأرض في مناطق مثل شرق السودان والنيل الأزرق، حيث يهدد تزايد الاستياء المحلي بتمزيق الدولة الوطنية. لكن مع غياب التنسيق بين حكومة “تأسيس” والمناطق الشرقية المتأثرة، يفقد البرهان أداة ضغط حقيقية من شأنها أن تدعم استمراره في السلطة.

من جهة أخرى، نجد أن دارفور خرجت فعليًا من سيطرة الحكومة المركزية، وأن كردفان تشهد انهيارًا تدريجيًا. في المقابل، تواجه وسط وشمال السودان أزمات اقتصادية خانقة، مع غياب الأفق السياسي البديل. في هذه البيئة المعقدة، يبحث حلفاء البرهان مثل مصر وتركيا عن مصالحهم الخاصة، حيث تسعى مصر لدعم استقرار السودان بما يخدم مصالحها الأمنية، بينما تضع تركيا عينها على البحر الأحمر كموقع استراتيجي.

وفي النهاية، تبدو الحلول الدولية تقتصر على تجميد الصراع في السودان، بدلًا من الوصول إلى نهاية حاسمة للحرب، مما يفتح الباب أمام استمرار الأزمة، لا سيما في ظل تزايد التدخلات الإقليمية التي تعزز مصالح كل طرف دون اهتمام حقيقي لمستقبل السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!