رأي

السودان واتفاقية عنتبي: الانضمام أم استمرار ضياع الحقوق؟

 السفير/ عادل إبراهيم مصطفى

 السفير/ عادل إبراهيم مصطفى

اعادة نشر

يُعَدّ الافتتاح الرسمي لسدّ النهضة الإثيوبي في التاسع من سبتمبر 2025 تحوّلًا كبيرًا في ملف مياه النيل، يضاف إلى التحوّل الآخر المتمثل في دخول “اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل”، المعروفة بـ”اتفاقية عنتبي”، حيّز التنفيذ بعد مصادقة العدد المطلوب من الدول الأعضاء. وهذه الاتفاقية، التي وُقّعت لأول مرة في مايو 2010 بمدينة عنتبي الأوغندية، تهدف إلى إعادة صياغة أسس التعاون بين دول الحوض، وترسيخ مبدأ “الانتفاع المنصف والمعقول” من مياه النهر.

حتى الآن، وقّعت على الاتفاقية سبع دول هي: إثيوبيا، أوغندا، تنزانيا، رواندا، كينيا، بوروندي، وجنوب السودان، وبذلك تجاوزت الاتفاقية الحد الأدنى المطلوب لدخولها حيّز التنفيذ. وتتمثل الخطوة التالية في تأسيس “مفوضية حوض النيل”، كهيئة إقليمية جديدة لإدارة شؤون مياه النهر. وبحسب الخبير البارز في قوانين وسياسات المياه البروفيسور سلمان محمد احمد سلمان، يتوقع أن تحظى المفوضية بدعم واسع من الدول والمنظمات المعنية بقضايا المياه والتنمية والتمويل، وأن تصبح الممثل القانوني والناطق الرسمي لدول الحوض.

ترجع خلفية هذه الاتفاقية إلى رفض عدد من دول المنبع، وعلى رأسها إثيوبيا، للاتفاقيات التي أُبرمت خلال الحقبة الاستعمارية، مثل اتفاقيات 1902، 1929، و1959، بحجة أنها لم تكن طرفًا فيها، وبالتالي فهي غير ملزمة بها. وترى هذه الدول أن تلك الاتفاقيات كرّست هيمنة مصر ومنحتها حق النقض (الفيتو) ضد أي مشاريع تُقام على النيل من دون موافقتها، وهو ما يمس سيادتها ويتعارض مع طموحاتها التنموية.

في المقابل، رفضت مصر الاتفاقية باعتبارها تمسّ ما تسميه “حقوقها التاريخية”، وجمّدت عضويتها في “مبادرة حوض النيل” في أكتوبر 2010 ردًا على توقيعها. المؤسف أن السودان سار على خطى مصر، وجمّد عضويته في يونيو 2010، أي قبل مصر نفسها، رغم أنه هو نفسه متضرر من اتفاقيات الحقبة الاستعمارية، إذ لم يكن ممثلًا فيها وقت التوقيع وكان خاضعًا للاستعمار البريطاني.

فعلى سبيل المثال، منحت اتفاقية 1929 مصر 48 مليار متر مكعب من المياه مقابل 4 مليارات فقط للسودان، في تمييز صارخ لا يمكن إنكاره. والأسوأ أن اتفاقية 1959، التي وُقّعت في عهد الحكم العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود، لم تُعالج هذا الظلم، بل كرّسته، وأتاحت بناء السد العالي، الذي دمّر مدينة حلفا التاريخية وشرّد نحو 53 ألفًا من سكانها، وتسبب في ضياع آثار حضارة نوبية ضاربة في جذور التاريخ.

من هنا، فإن سودان ما بعد الحرب، في إطار جهوده لتحقيق الاستقرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية، مطالب بإعادة النظر في موقفه من اتفاقية عنتبي، وذلك من منطلق المصلحة الوطنية والعدالة الإقليمية. فالانضمام إلى الاتفاقية يفتح الباب أمام إعادة توزيع أكثر عدلًا لمياه النيل، ويتيح للسودان تعزيز مصالحه الوطنية والمساهمة في تحقيق الاستقرار والتنمية في الإقليم بكامله.

إن موقف السودان الحالي لا يعكس مصالحه الحقيقية، بل يخضع لحسابات سياسية ضيقة لا تنسجم مع حقه المشروع في موارد النهر. وإذا كانت مصر تعارض الاتفاقية حفاظًا على مصالحها، فإن على السودان أن يتمسك هو الآخر بمصالحه، لا أن يظل تابعًا لحسابات ترتبط بعسكرة الدولة أو حرص بعض النخب على كراسي السلطة.

العلاقات بين السودان ومصر يجب أن تُبنى على أسس الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة على قدم المساواة، بعيدًا عن منطق الإملاء أو التبعية. وهذا يشمل أيضًا ملفات حساسة مثل نزاع مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، وملف سد النهضة الذي أثبت الخبراء إمكانية تحقيقه فوائد ملموسة للسودان، بما يفرض عليه اعتماد سياسة تسعى إلى تعظيم هذه الفوائد وتفادي الأضرار المحتملة.

كما ينبغي على مصر أن تُدرك أن مبدأ الهيمنة المطلقة على مياه النيل لم يعد ممكنًا في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة وطموحات دول المنبع المشروعة. ومن ثم، فإن التعاون والتفاهم هما السبيل الوحيد لضمان مصالح الجميع، بما في ذلك تأمين احتياجات مصر المائية من خلال بناء وتعزيز التعاون مع دول الحوض، وعبر حلول بديلة، مثل تحلية مياه البحر والتوسع في إعادة الاستخدام، بدلًا من التشبّث بـ”حقوق” لم تعد تنسجم مع واقع العصر.

في ضوء هذه الحقائق، فإن انضمام السودان إلى اتفاقية عنتبي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة وطنية، تمليها المصلحة العامة، وتفرضها العدالة، وتعضدها التحولات الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!