رأي

السودان نهاية 2025 وبداية 2026: أزمة مفتوحة وأسئلة مؤجلة

د.جودات الشريف حامد

 

د. جودات الشريف حامد

مع انقضاء عام 2025، لم يجد السودانيون أنفسهم أمام خاتمة واضحة المسار لأزمتهم الممتدة، بل أمام أسئلة قاسية أثقل من البحث عن إجابات لها. فالعام المنصرم لم يُغلق ملفات حرب السودان، ولم يخفف من حدّة المأساة الإنسانية، ولم يقدّم أفقًا سياسيًا جادًا يبعث على الاطمئنان.رحل العام ٢٠٢٥م و ترك البلاد في حالة انتظار قاسٍ، وسط مشهد وطني تتداخل فيه خرائطه الممزقة مع واقع أمني قوامه الهشاشة، يُدار بلغة السلاح بدلًا عن منطق العقلانية السياسة و ضرورات الواقع.

مشهد نهاية العام 2025 في السودان لا يمكن قراءته و تفكيك تعقيداته بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، حيث يشهد العالم إعادة ترتيب للخرائط والتحالفات وفق مقاربات سياسية صارمة و شبه مجنونة. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الأزمة السودانية مجرد كارثة إنسانية، كما يُراد لها أن تُوصف و تُختزل، لكنها حرب تقتضي عدالة مسار جوهرها التاريخي أن يتم التعامل معها كنموذج صارخ لاختلال النظام الدولي وعجزه الأخلاقي والسياسي عن التعامل مع مثل هذه النزاعات المعقدة، حيث ظلّ ضحيتها المدنيون، فيما اكتفى المجتمع الدولي بالمراقبة والتعاريف معها بالبيانات و “تحنيس البلابسة” بدلاً عن التحرك بمسئولية و جدية لمعالجتها بما يلزم.

على امتداد الأعوام الماضية، واصلت حكومة بورتسودان إدارة هذه الحرب بمنطق أمني،عنصري ضيق، دون تقديم مشروع سياسي جامع أو رؤية واقعية أو القبول بما يطرحه الوسطاء للخروج من هذه الحرب التي أشعلوها. ومع طي صفحة عام 2025، بات واضحًا أن السياسات القائمة على إطالة أمد الصراع، سياسات الحلاقيم الكبيرة : “بل بس” لم تُنتج سوى مزيد من الانهاك الاقتصادي، وتآكل الثقة الداخلية، وتراجع القدرة على تحمّل كلفة الحرب لدى معسكر بورتسودان، سواء على المستوى الموارد المالية أو المناصرة المجتمعية.

الرواية الرسمية (حرب الكرامة المدعاة) التي روجت للحرب، تحت مسميات كاذبة و مسوغات فارغة، قد فقدت كامل قدرتها على إقناع الشعب. فمع اتساع رقعة الدمار و انتهاكات المليشيات الإرهابية الاخوانية و ما نتج عنها من تزايد معاناة المدنيين، بدأ الوعي الشعبي يتشكل بعيدًا عن الخطاب التعبوي، ليدرك أن استمرار الحرب لا يخدم سوى إعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة، التي خبر السودانيون سواءاتها لعقود، ودفعت البلاد إلى أزمات متراكمة ما نحن فيه أحد يمثل احد تجلياتها.

تدخل حكومة بورتسودان عام 2026 وسط بيئة سياسية واقتصادية أكثر تعقيدًا. فالضغوط الاقتصادية تتصاعد، ومصادر تمويل الحرب التي يعتمدون عليها بدأت في التقلص و الاضمحلال، فيما تتزايد مؤشرات نفاد صبر الفاعلين الإقليميين والدوليين (الرباعية)، الذين باتوا يرسلون إشارات واضحة نحو ضرورة الانتقال إلى مسارات حلول عسكرية و سياسية مختلفة، لا تتوافق مع حسابات العصابة الممسكة بالسلطة في بورتسودان.

ومن المرجح أن يشهد عام 2026 تحولات لافتة في رؤى و مقاربات المجتمع الدولي للأزمة السودانية، سواء من حيث تكثيف الضغوط الدبلوماسية لإيقاف الحرب أو الدفع نحو ترتيبات سياسية جديدة. وفي هذا السياق، كل المؤشرات تفيد ان يتحول السودان إلى ملف ساخن و قضية حاضرة بقوة على طاولات صناع القرار الاقليمي و العالمي، لا باعتباره ملف أزمة إنسانية فحسب، بل بوصفه اختبارًا لاستقرار إقليمي و دولى أوسع.

التجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تعتمد على القمع وإدارة الأزمات بمنطق القوة لا تسقط دفعة واحدة، بل تمر غالبًا بمرحلة فقدان تدريجي للشرعية و مقتضيات البقاء، فتتآكل مصداقيتها و تضعف قدرتها على ممارسة الحكم، قبل أن تصل إلى لحظة الانهيار التام داخلياً من تلقاء نفسها. وفي هذا الإطار، يبدو أن حكومة بوراسودان تقترب من مرحلة السقوط الحتمي ، و هذا يتطلب قراءة واقعية وشجاعة للمشهد، بعيدًا عن سياسات الإنكار وتأجيل استحقاقات السقوط المحتوم.

و فلنكن واقعيين عام 2026، على الأرجح، لن يكون عام تحقيق كل تطلعات السودانيين، لكنه يشكل بداية مسار أكثر وضوحًا نحو معالجة جذور الأزمة وبناء أفق وطني تأسيسي جديد، إذا ما توفرت لدينا الإرادة السياسية الصادقة وتقدّم صوت العقل على صوت السلاح. فمستقبل السودان لن يُصنع بإدارات إستمرارية الحرب، بل بإنهائها، والانطلاق نحو مشروع وطني جامع تغيب فيه شمس الإرهاب و الإرهابيين و الموتورين عنصرياً_ ليعيد الاعتبار للدولة والمجتمع السوداني الكريم معًا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!