
إيمان التجاني
الكرامة الإنسانية ليست فكرةً سيكولوجية أو زخرفةً أدبية، بل هي الحق الأول الذي يضمن للإنسان مكانته ككائن اجتماعي أخلاقي. عندما تُنتهك الكرامة، تتصدّع كل مؤسسات المجتمع؛ وتتحول الحياة المشتركة إلى سلسلة من الخوف والتفرّق والانتقام. ما نشهده في السودان منذ 15 أبريل ليس مجرد تصادمٍ عسكري—إنه انهيارٌ لقيم المواطنة والالتزام الإنساني، وتحويل الأزمة إلى حربٍ تزهق فيها أرواح الناس دون مساءلة.
الحرب فرضت واقعاً يتجاوز حروب الماضي. في السابق كانت لصراع أسباب إقليمية أو استراتيجية واضحة المعالم؛ أما الآن فصارت أساليب القتل والإقصاء تستند إلى تصنيفات هوية ودينية، تُحوّل الناس إلى أهدافٍ ثابتة. ظهور مصطلحات وممارسات تبرّر التفتيش عن “الآخر” وتحويل وجوده إلى خطر أخلاقي أو سياسي — مثل سن تشريعات تُشرعن التمييز تحت أسماء فضفاضة — يجرّ المجتمع إلى حافة التحلل الاجتماعي.
الانتهاكات الممنهجة شملت حرمان الناس من الغذاء والماء والرعاية الصحية، واستعمال المساعدات الإنسانية كورقة ضغط. حروب الحصار لا تقل فظاعة عن فظائع المعارك، لأنها تصنع مساومات يومية على بقاء الأطفال والمرضى. عندما تُستخدم الموارد الإنسانية كسلاح، يتبدل المصير الإنساني إلى سلعة تُوزّع وفق ولاءات أو حسابات سياسية، وحينئذٍ تفقد القوانين الدولية معناها الفعلي وتتحول إلى حبر على ورق.
في هذا السياق، تتحمل جماعات تُسمي نفسها بالممثلة للدين أو للأمة مسؤولية مركبة؛ جنون السلطة الذي يستغل الدين لتبرير العنف يفرّغ الممارسات الدينية من روحها الأخلاقية ويصهر المجتمع في بوتقة الكراهية. ولكن المسؤولية لا تقف عند حدود فاعل واحد؛ إنها موضوعية على كلِّ من يلتزم بالصمت أو يغض الطرف، وعلى كل حكومة أو فصيل سياسي يستغل الأزمة لإعادة إنتاج سلطته على حساب كرامة الآخرين.
الإجابة لا تكمن فقط في الجوانب الأمنية، بل في ممارسةٍ مجتمعية وسياسية تعيد الاعتبار للكرامة. أولاً: يجب أن تعمل منظمات المجتمع المدني والنشطاء على حماية الضحايا وتقديم الدعم القانوني والنفسي، وأن يكون التوثيق أميناً ومحايداً ليشكل قاعدة للعدالة المستقبلية. ثانياً: على المنظمات الدولية أن تضغط بفاعلية لحماية المدنيين والوصول الإنساني غير المشروط. ثالثاً: هناك حاجة ماسة لخطابٍ دينيٍ وإنسانيٍ يُنقض منطق التكفير والتبرير للعنف، ويعيد تقديم الدين كقيمةٍ تحترم الحياة والكرامة.
إنّ عملية الانتقال من منطق الحرب إلى منطق المواطنة تتطلب مبادرات واسعة: آليات عدالة انتقاليّة، برامج مصالحة وطنية، تعليم يعلّم قيم الحقوق المتساوية، ومؤسسات حكمٍ رشيدٍ قادرة على حماية الحقوق. كما يجب أن تُصاغ نصوص قانونية وطنية تضمن أن تُحرم أي تشريعات أو ممارسات عنصرية أو تمييزية، وأن تُفعّل آليات للمساءلة والشفافية.
الكرامة لا تُستعاد بكلماتٍ رنانة فقط، بل بأفعالٍ ملموسة تُعيد للإنسان مكانته وتضمن حصوله على الحد الأدنى من الحياة الآمنة والحرة. على ضوء ذلك، فإنّ نضال المجتمع المدني والقانوني والسياسي يجب أن يضع في مركزه إنسان السودان، وأن يجعل من الكرامة معياراً لا يُساوم عليه. فحين يُحترم الإنسان، يُبنى الوطن — وإلا فإنَّ أي مشروعٍ سياسيٍ يبقى هشّاً ومؤقتاً أمام سيلٍ لا ينتهي من الانتقام والدمار.




