لماذا نفكّر بغير عقولنا؟ تشكل العقل السياسي السوداني والحاجة إلى إعادة ضبط ذهني(Mind Reset) ا
المستشار د.إبراهيم مخير

المستشار د. ابراهيم مخير.
خرج السودان من الاستعمار البريطاني–المصري في عام 1956، لا عبر مسار تحرر وطني مكتمل الأركان، بل من خلال مفاوضات جرت أساسًا بين البريطانيين والمصريين، دون أن يُعامل السودانيون بوصفهم طرفًا مكافئًا في تقرير مصيرهم السياسي. وقد شكّل هذا الخلل التأسيسي (Foundational Deficit) أحد الجذور العميقة لأزمة الوعي السياسي السوداني التي ما تزال تتجلى حتى اليوم.
في تلك المرحلة، كان أغلب السودانيين ذوي التأثير السياسي من أنصار الوحدة مع مصر، سواء بدافع القرب الثقافي، أو نتيجة الهيمنة المؤسسية والتعليمية التي مارستها القاهرة خلال فترة الحكم الثنائي.
ولم يكن هذا الميل خيارًا حرًا بالكامل، بل نتاج بيئة صاغت وعي النخبة قبل أن تتشكل الدولة الوطنية نفسها.
تخرّج معظم الضباط السودانيين الأوائل من الكلية الحربية في القاهرة، ثم عادوا إلى السودان حاملين عقلية وتقاليد المؤسسة العسكرية المصرية. لم يكن الأمر مهنيًا فحسب، بل ثقافيًا واجتماعيًا أيضًا؛ فقد تحدث كثير منهم باللهجة المصرية، وتزوج عدد كبير من مصريات. وحتى في لحظات المقاومة المبكرة، لم يكن التأثير المصري غائبًا؛ فعبدالفضيل الماظ، قائد الثورة المسلحة ضد الاستعمار البريطاني عام 1924، كانت زوجته مصرية، كما أن الفريق إبراهيم عبود، الذي حكم السودان بين عامي 1958 و1964، كان يتحدث بلهجة مصرية واضحة.
وبالمثل، تلقّى معظم الموظفين السودانيين تدريبهم على أيدي الباشكتبة المصريين، فتشكّلت الإدارة العامة، والثقافة المؤسسية، وأنماط التفكير البيروقراطي في السودان كامتداد مباشر للنموذج المصري، لا كتعبير عن واقع سوداني متمايز.
وبهذا، لم يتكوّن العقل السياسي السوداني في فراغ، بل عبر بوابة مصرية كثيفة التأثير، ومنها تسربت الناصرية (Nasserism)، والاشتراكية العربية (Arab Socialism)، وتعاليم حسن البنا في صيغتها السياسية والتنظيمية (Political Islam)
هكذا، سار السودان في كثير من مفاصله الكبرى كالأعمى الذي يُقاد، لا وفق مصلحته الوطنية الخالصة، بل تبعًا لأولويات غيره. ولم يكن السودان حالة معزولة؛ فقد هيمنت مصر لعقود على المجال العربي، وقدّمت نفسها متحدثًا باسمه ووسيطًا حصريًا عنه مستفيدا ماديا وسياسيا من هذا الامر ، وأقصت بالتالي كل من حاول أن يشاركها هذا الدور أو ينافسها فيه.
غير أن دولًا أخرى، مثل السعودية والإمارات، وبفضل ما امتلكته من موارد مالية، وإصرار واعٍ على الاستثمار في التعليم الحديث في الغرب (Western Education)، نجحت منذ سبعينيات القرن الماضي في التحرر التدريجي من هذا النفوذ، وبناء عقل سياسي أكثر براغماتية واستقلالًا. أما السودان، فكان ثمن تحرره أعلى بكثير، وكأنه خضع لعملية جراحية تاريخية قاسية ما تزال تنزف دمًا حتى اليوم.
وخلال هذه المسيرة المرتبطة بالمحور المصري، ورث السودان خصومات مصر وعداءها الأيديولوجي للغرب، في وقتٍ كان فيه الغرب الخارج لتوّه من الحرب العالمية الثانية (Post–World War II Era) يبحث عن دول واعدة ليستثمر فيها خبراته ورؤوس أمواله. وكان السودان، بما يملكه من موارد طبيعية هائلة وموقع استراتيجي، من أوائل المرشحين لذلك، بل خيارًا أفضل من اليابان أو كوريا في تلك المرحلة التاريخية.
قادة سنغافورة مثلاً أدركوا هذه اللحظة مبكرًا. فقام لي كوان يو (Lee Kuan Yew) بفتح بلاده لتكون منصة جاذبة لرأس المال الغربي، ووفّر بيئة قانونية ومؤسسية ملائمة للاستثمار (Investment-Friendly Environment)، فكانت النتيجة مسارًا تنمويًا مختلفًا جذريًا، ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم مع الاحتفاظ بالتفسير المناسب للقيم الغربية.
في المقابل، تبنّى السودان، متأثرًا بالنموذج المصري، خطابًا عدائيًا تجاه الغرب، قائمًا على الاشتراكية والناصرية ثم البعثية العروبية المتطرفة وتأويلات متشددة من فكر حسن البنا، فتحوّل هذا الخطاب إلى حاجز نفسي وسياسي واقتصادي حال دون الاستفادة من الفرص التاريخية المتاحة.
والمفارقة المؤلمة أننا اليوم نرفع شعارات الديمقراطية والحرية، ونتطلع إلى دعم الغرب لقضايانا، في وقتٍ تغيّرت فيه أولويات الغرب السياسية والاقتصادية، ولم يعد ينظر إلى منطقتنا بالطريقة نفسها.
اليوم، يعيش السودان فراغًا ثقافيًا وسياسيًا عميقًا (Cultural and Political Vacuum)، يتخبط فيه كثيرون بين الليبرالية والشيوعية، وبين المعسكرات الدولية، وبين أفكار مستوردة لا جذور لها في واقعنا ولا في تاريخنا. وفي هذا الفراغ، يترعرع الطفيليون والانتهازيون، يتغذّون على الارتباك، ويتقدمون حين يتراجع أصحاب المشاريع الحقيقية.
واجبنا ليس إعادة مارد الدعم السريع في السودان إلى النوم او (تكسير مجادفيه)، بل إيقاظ الآخرين ليبصروا، ويفكروا، ويختاروا بوعي، لا بالوراثة ولا بالتبعية.
كما أن واجبنا أن نكشف هذه الظواهر الطفيلية بلا مواربة، من دون أن نتوقف أو نسمح للضجيج أن يغيّر اتجاه بوصلتنا.
فالتغيير ليس لحظة غضب عابرة، بل مسار وعي طويل (Long-Term Consciousness Process)، والمضي إلى الأمام ضرورة تاريخية لا خيارًا تكتيكيًا.
إن الاستمرار في الإيمان بقيم الحرية، والديمقراطية، ودولة القانون (Rule of Law)، ليس ترفًا فكريًا ولا شعارًا مستوردًا، بل هو الطريق الوحيد لنجاة السودان.
غير أن ذلك يتطلب إعادة ضبط شاملة للعقل السياسي السوداني (Mind Reset)، تبدأ من اللغة، ومن طريقة التحليل، ومن إدراك المصالح الوطنية ، لا من ترديد الشعارات فقط.




