رأي

الاستاذ محمود محمد طه وحلاج السودان : قراءة في الإعدام، والفكر الحر، وشهادة الشاعر عالم عباس 

السفير: عادل إبراهيم مصطفي 

 

السفير: عادل إبراهيم مصطفي 

في الثامن عشر من يناير عام 1985، لم يكن إعدام الأستاذ محمود محمد طه مجرد تنفيذٍ لحكمٍ جائر، بل كان إعلانًا صريحًا عمّا ظنّه القتلة انتصارًا لتحالف الاستبداد والقراءة المغلقة للدين على العقل والضمير. ذلك اليوم لم يطوِ صفحة إنسانِ واحد، بل دشّن مرحلة طويلة من العنف الرمزي والمادي ضد الفكر الحر، ما زال السودان يدفع ثمنها حتى اليوم. فما جرى آنذاك لم يكن استثناءً في التاريخ السياسي السوداني، بل نبوءةً مبكرة لمسارٍ دمويّ انتهى بانهيار الدولة نفسها.

لقد أُغتيل الأستاذ محمود محمد طه لأن مشروعه الفكري مثّل خطرًا حقيقيًا على سلطةٍ لا تعيش إلا في ظل الخوف، ولا تزدهر إلا حين تُكمم الافواه باسم العقيدة. كان الأستاذ يدعو إلى تحرير الدين من قبضة السياسة، وإلى ردّ الإسلام إلى جوهره الأخلاقي والإنساني، وهو ما لم يكن مقبولًا لدى نظامٍ أراد دينًا يمنح العنف لباس القداسة. لذلك كان القتل هو اللغة الوحيدة المتاحة.

ومن بين الأصوات التي التقطت المعنى العميق لهذه الجريمة، يبرز صوت الشاعر الكبير عالم عباس محمد نور في قصيدته اللافتة «السطور الأخيرة في دفتر الحلاج الثاني». لم تكن القصيدة رثاءً عاطفيًا، بل إدانة سياسية وأخلاقية مكتملة. ففيها يستعيد الشاعر صورة الحلاج ليقول إن ما جرى للأستاذ محمود محمد طه ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من قتل المختلف باسم الدين.

يقول الشاعر، واصفًا الشهيد في مواجهة جلاديه:

كَدَأْبِكَ ما تَنْفَكُّ أَجْلَى وأَضْوَأُ

وغَيْرُكَ في الأَوْحالِ يَخْبُو ويَصْدَأُ

وشَأْوُكَ عالٍ لا تُرامُ سَماؤُهُ

وما أَدْرَكوا إِلّا الّذي مِنْهُ تَبْدَأُ

في هذه الأبيات، لا يكتفي الشاعر عالم عباس بتمجيد الشهيد محمود محمد طه، بل يضعها في مواجهة مباشرة مع منظومة كاملة من الانحطاط الأخلاقي. فالنور هنا ليس صفة فردية، بل معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا، في مقابل «الأوحال» التي تمثل تحالف السلطة، والمؤسسة الدينية، والخوف الجماعي.

ويمضي الشاعر إلى تشريح البنية التي أنتجت القتل، في استعارة مكثفة تلخّص مأساة السودان منذ عقود:

والشَّجَرُ إِذا يُسْقَى بِماءٍ آسِنٍ

ماذا يُطْرِحُ غَيْرَ الثَّمَرِ الآسِنِ؟

بهذين الشطرين، يقدّم الشاعر مفتاحًا لفهم الواقع السوداني الراهن: فالدولة التي تُسقى بالكذب، والخطاب الديني المسموم، والعنف المؤدلج، لا يمكن أن تُنتج إلا الحرب، والانقسام، والانهيار الأخلاقي. وما نعيشه اليوم من اقتتال دموي، وتفكك اجتماعي، وشرعنة للقتل، ليس سوى «الثمر الآسن» لذلك الماء الآسن الذي حُقنت به الحياة العامة لعقود.

وتبلغ القصيدة ذروتها السياسية في «الفعل»، عندما يفضح الشاعر زيف البطولة الخطابية التي طالما حكمت السودان:

وفي الدّارِ شُجْعانُ الأَقاويلِ جَمَّةٌ

ولكنَّ شُجْعانَ الفِعالِ قَليلُ

فإِنْ قُلْتَ قَوْلًا لا تَموتُ وَراءَهُ

لِيَحْيا، فَلا مَعْنَى لِما سَتَقولُ

هذه الأبيات تبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، كأنها كُتبت للراهن السوداني: وفرة في الشعارات، تخمة في الخطب، وندرة فادحة في المواقف الأخلاقية الحقيقية. لقد أُغتيل الأستاذ محمود محمد طه لأنه اختار أن يطابق بين الفكر والقول والعمل، بينما لا يزال كثيرون، حتى الآن، يكتفون ببطولة الكلام، أو يبررون العنف، أو يصمتون عنه.

ولم يكن عالم عباس محمد نور منتميًا تنظيميًا إلى «الفكرة الجمهورية»، لكنه أدرك، بحسّ الشاعر والمثقف، أن اغتيال الأستاذ محمود محمد طه كان اغتيالًا لاحتمالٍ تاريخي مختلف للسودان: احتمال دولة مدنية، ودين متصالح مع الحرية، وسياسة بلا دم. لذلك رآه حلاجًا سودانيًا جديدًا، قُتل لأنه قال ما لا يُراد له أن يُقال.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على تلك الجريمة، يعود السؤال بإلحاح أشد: ماذا لو أُصغي إلى الأستاذ محمود محمد طه بدل إعدامه؟ هل كان السودان سيصل إلى هذا الدرك من الانهيار؟ الإجابة لا تحتاج إلى كبير عناء. فالدولة التي تقتل مفكريها، وتكافئ جلاديهم، لا بد أن تنتهي إلى قتل أبنائها بالجملة.

إن استعادة ذكرى الأستاذ محمود محمد طه، وقراءة شهادة عالم عباس محمد نور الشعرية، ليست فعل وفاء للماضي فحسب، بل موقف سياسي وأخلاقي من الحاضر. فإما أن يتعلّم السودان أخيرًا أن قتل الفكر لا يحمي الدولة بل يدمّرها، أو يواصل الدوران في الحلقة نفسها: دينٌ مُسيَّس، وسلطةٌ عارية، ودمٌ لا يتوقف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!