رأي

حين تسقط الأقنعة: التدخل الأمريكي في السودان ومنطق كسر بندقية الإسلاميين

عماد ابكر جدو 7/يناير 2026م

 

عماد ابكر جدو 7/يناير 2026م

لم يعد الصراع الدائر في السودان مجرد مواجهة مسلحة بين قوتين متنازعتين، بل تحوّل إلى ساحة اختبار لإرادة المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، في التعامل مع دولة منهارة تسيطر عليها مليشيات متصارعة وسلطة أمر واقع ترفض السلام وتستثمر في استمرار الحرب. في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت واشنطن ستتدخل، بل كيف، ومع من، وعلى أي أساس.

منذ اندلاع الحرب بين مليشيات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حاولت الولايات المتحدة إدارة الأزمة عبر مسارات سياسية ودبلوماسية متعددة، من منبر جدة إلى تحركات الرباعية، أملاً في فرض وقف لإطلاق النار يفتح الباب أمام تسوية سياسية. غير أن هذه الجهود اصطدمت بعقبة مركزية تمثلت في سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، التي رفضت عملياً كل الحلول المطروحة، وتعاملت مع المبادرات الدولية باعتبارها تهديداً مباشراً لمشروعها السياسي والعسكري.

هذا الرفض لم يكن وليد سوء تقدير أو تشدد تفاوضي، بل انعكاساً لطبيعة السلطة نفسها، التي تدرك أن أي تسوية حقيقية تعني تفكيك البنية المؤدلجة لما يُسمى بالجيش، وكسر النفوذ التاريخي للحركة الإسلامية السودانية داخل المؤسسة العسكرية، وإنهاء امتيازات شبكات المؤتمر الوطني. لذلك تحوّلت الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة، لا إلى معركة دفاع عن الدولة.

في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن فرض أي حل في السودان دون شريك محلي موثوق هو رهان خاسر. التجربة الأمريكية في مناطق النزاع تثبت أن واشنطن لا تلجأ إلى القوة الخشنة إلا في إطار تحالفات واضحة. المثال النيجيري في نهاية عام 2025 يقدّم دلالة صريحة، حين نفذت الولايات المتحدة ضربات جوية في ولاية سوكوتو شمال نيجيريا ضد جماعات متشددة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، مؤكدة أن العملية تمت بالتنسيق الكامل وبطلب رسمي من الحكومة النيجيرية، وفي إطار تعاون أمني، وليس كتدخل أحادي.

هذا النموذج يوضح جوهر المقاربة الأمريكية: لا تدخل بلا شريك، ولا قوة بلا غطاء سياسي محلي. وفي الحالة السودانية، تبرز المعضلة الكبرى في أن سلطة بورتسودان لا تصلح لتكون هذا الشريك. فهي سلطة ترفض إيقاف الحرب، وتغذي خطاب التعبئة الدينية، وتعيد تدوير مليشيات الإسلام السياسي تحت مسمى “الجيش الوطني”، بينما تنظر إليها واشنطن باعتبارها جزءاً من المشكلة، لا مفتاح الحل.

من هنا، يصبح البحث عن بديل أمراً حتمياً، لا خياراً نظرياً. فرض رؤية الرباعية، أو أي مسار جاد لإنهاء الحرب، يتطلب قوة قادرة على فرض معادلة جديدة على الأرض، لا الاكتفاء بوساطات بلا أدوات ضغط. المعطيات السياسية والميدانية تشير بوضوح إلى أن قوات “تأسيس”، التي تضم قوات الدعم السريع وقوات حركات الكفاح المسلح، باستثناء قوات عبد الواحد محمد نور، هي القوة المرشحة للعب هذا الدور في المرحلة المقبلة.

الرهان هنا ليس أخلاقياً ولا عاطفياً، بل براغماتي بحت. فهذه القوات تمثل اليوم الكتلة العسكرية الأقدر على كسر احتكار العنف الذي مارسته الحركة الإسلامية لعقود عبر الجيش، وهي المهمة التي عجزت عنها كل التسويات السابقة. من دون كسر بندقية الإسلاميين، ستبقى الدولة السودانية رهينة لدورات متكررة من الانقلابات والحروب، مهما تبدلت المسميات.

الحديث عن السلام في السودان دون الإقرار بالحاجة إلى القوة يظل خطاباً معزولاً عن الواقع. فرض إيقاف الحرب، في ظل تعنت بورتسودان، لن يتم عبر البيانات ولا الضغوط الدبلوماسية وحدها، بل عبر ميزان قوة جديد يُجبر مليشيات الإرهاب التابعة لسلطة الأمر الواقع على القبول بالحل. هذا لا يعني تدخلاً أمريكياً مباشراً بالجنود والعتاد، بل تدخلاً عبر تحالفات استراتيجية مع مكون محلي يمتلك زمام المبادرة والقدرة على تهيئة الأجواء السياسية والعسكرية.

ومن يظن أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً بجنودها في السودان، يقرأ المشهد بسطحية. السياسة الأمريكية قائمة على إدارة الصراعات بأقل كلفة مباشرة، عبر شركاء محليين، ضمن خطوط حمراء واضحة. هذه الخطوط باتت معلنة: إبعاد الإسلاميين من المشهد السياسي والعسكري، تفكيك شبكات المؤتمر الوطني داخل الدولة، والقبول بإعادة تأسيس الجيش السوداني على أسس وطنية غير مؤدلجة.

السودان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية: إما استمرار حرب عبثية تقودها مليشيات بورتسودان دفاعاً عن مشروع إسلامي متهالك، أو انتقال قاسٍ لكنه ضروري نحو جيش تأسيسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلاح والدولة. في هذا السياق، تبدو قوات تأسيس ليست مجرد طرف في الصراع، بل أداة محتملة لإعادة ترتيب المشهد، بدعم دولي مشروط ومنطق مصالح لا شعارات. أما الرهان على عودة الجيش القديم بثوبه الإسلامي، فهو رهان على ماضٍ سقط، حتى وإن طال أمد الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!