رأي

المحاذير والأبعاد الأمنية في حديث الرئاسة المصرية عن “الخطوط الحمراء” في السودان: الحذر ثم الحذر (!)

الخبير الأمني والعسكري د. مجدي شريف

 

 الخبير الأمني والعسكري د. مجدي شريف

لا يمكن لدولة بحجم وثقل مصر الإقليمي أن تتحدث علنًا عن «خطوط حمراء» في السودان تتقاطع مع أمنها القومي، دون أن تكون قد أعدّت العدة سلفًا للتدخل الفعلي وبصورة اعمق في مسار الصراع الدائر. فمثل هذا الخطاب، في العرفين السياسي والأمني، لا يُطلق عبثًا ولا يُستخدم للاستهلاك الإعلامي، بل يأتي عادة كتمهيد لخطوات محسوبة تتوزع على عدة محاور، في مقدمتها المحور العسكري والأمني، ثم اللوجستي والاستخباراتي.

أولًا: المحور العسكري – تدخل بلا جنود مشاة

من غير المرجح أن تُقدم مصر على تدخل بري مباشر عبر قوات مشاة على الأرض السودانية، لما يحمله ذلك من كلفة سياسية وعسكرية عالية. غير أن البديل الأخطر يتمثل في التدخل غير المرئي، عبر تقديم دعم استخباراتي عالي الجودة، خصوصًا من خلال توظيف الأقمار الاصطناعية وأنظمة الرصد المتقدمة. هذا النوع من الدعم يتيح مراقبة تحركات القوات على الأرض بدقة، وتحديد مواقع الانتشار والتمركز، وهو ما يشكل خطرًا بالغ الحساسية، لا سيما عندما يتحول إلى أداة لاستهداف القادة الميدانيين والفاعلين الرئيسيين في مسرح العمليات، بما يمثل تهديدًا مباشرًا لحياتهم ويغير موازين الصراع دون طلقة واحدة معلنة.

ثانيًا: محور الدعم اللوجستي والموارد

تشير المعطيات إلى أن مصر، بالتعاون مع دولة عربية وأخرى إقليمية، قد أعدّت ترتيبات لتوفير أسلحة نوعية لمقاتلي الجماعات المتطرفة التي يجرى توظيفها في الصراع بفاعلية اكبر، في إطار استراتيجية تستهدف منازلة قوات الدعم السريع ودحرها. وفي هذا السياق، برز الخطاب الرسمي المصري – كما ورد على لسان الصحفي ضياء رشوان، المقرب من دوائر صنع القرار – الذي سعى إلى التقليل من حجم وتأثير حضور الجماعات المتطرفة داخل الجيش السوداني والقوى المساندة له. ووفق هذا المنطق، لا ترى القاهرة في جماعة الإخوان المسلمين وتنظيماتها في السودان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بل يبدو أن هناك توجّهًا لتوظيف مجهود هذه الجماعات في المرحلة المقبلة، بما يخدم حسابات إقليمية ضيقة على حساب استقرار السودان.

ثالثًا: البعد الاستخباراتي وخطط التصفية

تتقاطع هذه المؤشرات مع ما عُرف بـ«خطة السلام العدمية» التي قدمها كامل إدريس في خطابه أمام مجلس الأمن، والتي توحي – في جوهرها – بحصول جماعة بورتسودان على وعود بدعم نوعي في مجالي التسليح والاستخبارات، بما في ذلك تحديد الأهداف والمواقع عبر الأقمار الاصطناعية. وتبعًا لذلك، يُرجح أن تتركز الخطة المصرية في المرحلة القادمة على استهداف قيادة الدعم السريع، خصوصًا في الصفين الأول والثاني، ضمن سيناريو يعيد إلى الأذهان تصفية الراحل الدكتور خليل إبراهيم. وتشير المعلومات كذلك إلى تورط دول عربية غنية في توفير موارد مالية ضخمة لتنفيذ هذه الخطة، بما يرفع منسوب المخاطر ويُنذر بتصعيد بالغ الخطورة.

اخيراً؛ إن مجموع هذه المعطيات يفرض أقصى درجات الحيطة والحذر. فحديث «الخطوط الحمراء» ليس مجرد تصريح سياسي عابر، بل مؤشر على تحولات استراتيجية قد تدفع بالصراع السوداني إلى مستويات أكثر تعقيدًا ودموية، مع ما يحمله ذلك من تهديد مباشر للسودان وسيادته واستقراره. وعليه، فإن الحذر… ثم الحذر… يظل هو العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!