
لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة
ليس مبدأ مونرو مجرد بيان تاريخي أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823، بل هو عقل استراتيجي طويل النفس شكّل جوهر السياسة الخارجية الأمريكية، وتحوّل مع الزمن من صيغة دفاعية محدودة إلى أداة شاملة لإدارة النفوذ العالمي. جوهر هذا المبدأ كان بسيطًا في بدايته: رفض أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي مقابل التزام أمريكي بعدم التدخل في الشؤون الأوروبية. غير أن ما بدأ كخط أحمر جغرافي، انتهى كمنطق هيمنة كونية.
مرّ مبدأ مونرو بثلاث مراحل مفصلية. في صيغته الكلاسيكية (1823–1900) كان هدفه حماية الأميركيتين من الاستعمار الأوروبي. ثم دخل مرحلته الإمبريالية (1900–1945) حين استُخدم لتبرير التدخل العسكري المباشر في دول مثل كوبا وبنما ونيكاراغوا، تحت عناوين “الاستقرار” و“الحماية”. بعد الحرب الباردة، تحوّل المبدأ إلى نسخة عالمية غير مقيدة بالجغرافيا، قوامها منع الخصوم من التمدد في أي إقليم حيوي، ولو كان خارج الأميركيتين تمامًا.
في هذا السياق، يصبح السودان جزءًا من ما يمكن تسميته بـ«مونرو الموسّع». فالولايات المتحدة تنظر إلى البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، والساحل الإفريقي باعتبارها مجالات نفوذ لا ينبغي أن تقع تحت هيمنة قوى منافسة. المنافسون هنا واضحون: روسيا بسعيها إلى موطئ قدم عسكري دائم، الصين عبر الاستثمارات الاستراتيجية في الموانئ والمعادن، إيران من خلال شبكات التسليح والعلاقات الأمنية، وتركيا عبر نفوذها الأيديولوجي والاقتصادي. السودان، بموقعه وموارده وهشاشته، يتحول إلى ساحة اختبار لهذا التوازن الدقيق.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا تحسم الولايات المتحدة الصراع في السودان؟ وفق منطق مونرو المعاصر، الحسم ليس دائمًا هدفًا مرغوبًا. الأهم هو منع الخصم من تحقيق نصر استراتيجي. إطالة أمد الأزمة تبقي روسيا بلا قاعدة بحرية مستقرة على البحر الأحمر، وتضع الصين تحت ضغط دائم، وتجعل الإقليم في حالة اعتماد مستمر على الغرب سياسيًا واقتصاديًا. هذه ليست فوضى عشوائية، بل ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ«إدارة الصراع لا حله».
ينسجم هذا المنطق مع سلوك ما يُعرف بـ«الرباعية» والسلوك الأمريكي عمومًا: قيادة من الخلف، ضغط سياسي دون تدخل عسكري حاسم، وترك الفاعلين الإقليميين مثل مصر والسعودية والإمارات لإدارة التفاصيل اليومية. في هذا الإطار، لا يُسمح لقوة كبرى بالهيمنة الكاملة، ولا لدولة محلية بالاستقلال التام في قرارها السيادي. هذا هو “مونرو الجديد”: توازن هش، بلا منتصر حاسم.
من القراءة الاستراتيجية العميقة، يتضح أن السودان ليس أولوية إنسانية في الحسابات الدولية، بل ساحة توازنات. لا يُراد نصر كامل للجيش، ولا سيطرة مطلقة لقوة بديلة. الهدف هو منع تشكّل دولة قوية مستقلة القرار، قادرة على الخروج من معادلة النفوذ. بذلك يصبح السودان ضحية صراع منع، لا صراع بناء؛ صراع يُدار بعقل إمبراطوري قديم، يرتدي اليوم لباس النظام الدولي الحديث.
الخلاصة أن مبدأ مونرو ليس وثيقة سرية ولا مؤامرة غامضة، بل نمط تفكير استراتيجي مستمر. يُطبّق اليوم في أوكرانيا وتايوان والشرق الأوسط، وفي السودان أيضًا. وما لم يُفكك هذا المنطق، سيظل السودان عالقًا في دائرة صراع يُدار لإدامة التوازن، لا لصناعة الدولة.




