
خضر كوة
مقدمة.
منذ استقلال السودان، فشل النظام السياسي في إدارة التنوع العرقي والثقافي والديني الذي يميز البلاد. وعلى مدى عقود، تمسكت النخب الحاكمة بشعار “الوحدة الوطنية” بينما مارست سياسات الإقصاء والتمييز تحت غطاء الدين والقومية.
إن مأساة السودان اليوم ليست استثناءً، بل امتداد لتجارب دول متعددة الهويات فشلت في بناء دولة المواطنة، أبرزها يوغسلافيا السابقة التي خاضت حروبًا دموية قبل أن تنقسم إلى كيانات مستقلة تعيش اليوم في سلام واستقرار نسبي.
تسعى هذه الورقة إلى مقارنة التجربتين، واستخلاص الدروس، واقتراح مسارات سياسية واقعية لإنقاذ السودان من دوامة الحرب والهيمنة المركزية.
أولاً: نموذج يوغسلافيا السابقة
1. الخلفية التاريخية
تأسست يوغسلافيا عام 1918 كدولة جمعت شعوبًا مختلفة (الصرب، الكروات، السلوفينيين، البوسنيين، المكدونيين، الألبان). بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت جمهورية اشتراكية اتحادية تحت قيادة “جوزيف بروز تيتو” الذي استطاع الحفاظ على الوحدة عبر نظام فيدرالي صارم.
بعد وفاته عام 1980، تفككت البنية السياسية التي كانت تعتمد على شخصه، وظهرت النزعات القومية والدينية التي قادت إلى صراع دموي في التسعينات.
2. أسباب الانقسام
سيطرة القومية الصربية على الجيش والدولة.
فشل النظام المركزي في احترام خصوصيات الشعوب.
توظيف الدين والقومية لتبرير العنف.
غياب العدالة والمساواة بين الجمهوريات المكونة للدولة.
3. النتيجة بعد حروب قاسية، تفككت يوغسلافيا إلى سبع دول مستقلة (سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، مقدونيا، وكوسوفو).
وبعد الانفصال، بدأت كل دولة في بناء نظامها السياسي والاجتماعي الخاص، وحققت استقرارًا نسبيًا، بل وانضمت بعضها إلى الاتحاد الأوروبي.
ثانياً: المقارنة مع السودان
العنصر يوغسلافيا السابقة السودان
التركيبة السكانية شعوب متعددة (صرب، كروات، بوسنيون، ألبان) شعوب وأقاليم متعددة (دارفور، كردفان، الشرق، النيل الأزرق، الشمال، الوسط)
الهوية المهيمنة القومية الصربية الإسلام السياسي والقومية العربية
النظام الحاكم اتحادي ثم مركزي قسري عسكري ـ إسلامي مركزي
أداة السيطرة الجيش الصربي الجيش الإسلامي
النتيجة تفكك سلمي نسبي بعد الحرب حرب مستمرة وانهيار شامل.
ثالثاً: دروس من يوغسلافيا للسودان
1. فشل الوحدة القسرية
لا يمكن لأي دولة متعددة الهويات أن تبقى موحدة عبر القوة والعنف؛ فالوحدة الحقيقية تُبنى على الاعتراف بالمساواة والحقوق.
2. الجيش كأداة هيمنة
كما كان الجيش الصربي أداة قهر لبقية الشعوب، أصبح الجيش السوداني تحت سيطرة الإسلاميين أداة لتثبيت سلطة المركز.
الإصلاح يبدأ بنزع الطابع العقائدي عن الجيش وتحويله إلى مؤسسة مهنية تمثل كل الأقاليم.
3. التنوع ليس تهديدًا بل أساسًا للبقاء
الاعتراف بالتعدد لا يعني التفكك، بل تأسيس عقد اجتماعي جديد على أساس المواطنة والاختيار الحر.
رابعاً: نحو نموذج سوداني جديد
استنادًا إلى دروس يوغسلافيا وتجربة السودان الممتدة، فإن الحل لا يكمن في إعادة إنتاج المركز أو الجيش العقائدي، بل في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
ويقترح هذا النموذج السياسي الخطوات التالية:
1. إعادة هيكلة السودان عبر صيغة كونفدرالية أو تفكك منظم
الاعتراف بحق كل إقليم أو مكوّن في تقرير مصيره، سواء عبر حكم ذاتي موسع أو استقلال طوعي.
إنشاء كونفدرالية سودانية مؤقتة، تدير العلاقات المشتركة (السياسة الخارجية، العملة، الدفاع المشترك).
التحول لاحقًا إلى اتحاد اختياري أو انفصال سلمي كما حدث في تشيكوسلوفاكيا
2. تفكيك الجيش العقائدي وإنشاء منظومات دفاع إقليمية
إعادة بناء القوات المسلحة على أسس مهنية وتمثيلية.
السماح لكل إقليم بتأسيس قوة دفاعية خاصة تحت مظلة مجلس دفاع كونفدرالي.
3. صياغة دستور جديد على قاعدة المواطنة
دستور يقرّ بأن الهوية الوطنية ليست دينية ولا عرقية، بل إنسانية وسودانية متعددة.
فصل الدين عن الدولة نهائيًا، وضمان حرية المعتقد والانتماء.
4. مؤتمر تأسيسي جامع
برعاية إقليمية ودولية، يضم كل القوى المدنية والمناطقية والمسلحة.
يناقش مستقبل السودان بصراحة: الوحدة، الكونفدرالية، أو الانفصال السلمي.
يضع خارطة طريق لتفكيك المركز الاستبدادي دون العودة إلى الحرب.
خامساً: الخلاصة
> كما تحررت شعوب يوغسلافيا من هيمنة القومية الصربية لتعيش في دول مستقلة آمنة،
فإن خلاص السودان يبدأ بتحرر شعوبه من هيمنة القومية الإسلامية والمركز العسكري.
إن وحدة السودان اليوم وهم دموي،
والبديل الواقعي هو سلام عادل يقوم على الاختيار الحر والتعايش المتكافئ،
سواء في دولة كونفدرالية متعددة أو في كيانات مستقلة تتعاون طوعًا.
فالوطن لا يُفرض بالسلاح، بل يُبنى بالعدل والاعتراف المتبادل..




