إِسْلَامِيُّو السُّودَانِ وَتَغْذِيَةُ التَّطَرُّفِ فِي بَرِيطَانْيَا… وَتَنَاقُضَاتُ الْيَسَارِ السُّودَانِيِّ
د. خالد عبيد .. لندن

د. خالد عبيد لندن
ليس التطرف الجهادي الذي انفجر في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين ظاهرة محلية، ولا يمكن فهمه بوصفه نتاج فقر أو جهل أو هامش اجتماعي فقط. بل هو، كما تكشف الوقائع واحدة بعد أخرى، ظاهرة عابرة للحدود، صنعتها شبكة معقّدة من الأفكار والتنظيمات والعلاقات السياسية، شارك في إنتاجها فاعلون كُثُر: دعاة، أنظمة، أجهزة، ونخب — بعضها يرفع راية الإسلام السياسي، وبعضها يرفع راية الحداثة والتقدم.
قضية الشفيع الشيخ، أحد أعضاء خلية «البيتلز» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، تقدّم مثالًا كاشفًا لهذه البنية المركّبة. فالرجل لم يأتِ من أحياء الفقر المدقع أو من مجتمعات مسحوقة على أطراف العالم، بل نشأ في لندن، في أسرة سودانية يسارية معروفة، داخل دولة ديمقراطية مستقرة، وفي بيئة تعليمية ومجتمعية كان يُفترض أن تحصّنه ضد أكثر أشكال التطرف دموية. ومع ذلك، انتهى به الأمر جلادًا في سجون تنظيم الدولة، مشاركًا في التعذيب والإعدامات.
هذه المفارقة وحدها كافية لهزّ السرديات الجاهزة عن التطرف.
بريطانيا كساحة لإعادة إنتاج التطرف
تُظهر قضية الشفيع أن بريطانيا لم تكن فقط بلد لجوء واستقرار، بل تحوّلت — دون قصد أو بتساهل — إلى ساحة لإعادة إنتاج التطرف. فقد نشط دعاة متشددون في لندن لسنوات، يقدّمون خطابًا يشرعن العنف ويضفي عليه قداسة دينية، دون مواجهة فكرية أو قانونية حاسمة. في هذه البيئة، تحوّلت المساجد، والمجموعات الدعوية الصغيرة، وبعض الفضاءات الافتراضية إلى مصانع بطيئة لإعادة تشكيل وعي الشباب.
لم يكن الشفيع حالة منفردة. بل تكشف تقارير عديدة عن عشرات الشبان — بينهم سودانيون نشأوا في بريطانيا — التحقوا بتنظيمات متطرفة عبر مسارات متشابهة: تجنيد فكري، عزلة اجتماعية متزايدة، قطيعة مع المحيط، ثم انتقال فعلي عبر تركيا إلى سوريا أو العراق.
هذا يعني أن التطرف لم يكن مجرد رد فعل على سياسات الغرب الخارجية، كما يروّج البعض، بل نتاج بيئة داخلية سمحت له بالنمو، وأحيانًا وفّرت له الحماية باسم الحريات أو التعدد الثقافي، دون تمييز بين حرية المعتقد وحرية التحريض على العنف.
الإسلاميون السودانيون: من تدمير الدولة إلى تصدير التطرف
في هذا السياق، لا يمكن إعفاء الحركة الإسلامية السودانية من المسؤولية. فهذه الحركة، التي دمّرت الدولة السودانية من الداخل عبر ثلاثين عامًا من التمكين والفساد والعسكرة، لم تكتفِ بإنتاج العنف داخل حدود السودان، بل صدّرت جزءًا من بنيتها الفكرية والتنظيمية إلى الخارج.
فبعض رموز التطرف الذين أثّروا في الشباب السوداني في بريطانيا لم يكونوا معزولين عن السياق السوداني والعربي العام، بل جزءًا من شبكة فكرية إسلاموية عابرة للحدود، تتغذى على المظلومية، وتستثمر في الغضب، وتحوّل الإحباط إلى كراهية دينية مسلّحة.
وهكذا، لم تكن الهجرة خلاصًا من الفكر المتطرف، بل في بعض الحالات كانت وسيلة لإعادة تدويره في بيئة أكثر حرية وأقل رقابة.
اليسار السوداني: مأزق أخلاقي أم فشل سياسي؟
الأكثر إرباكًا في هذه القصة هو موقع اليسار السوداني. فالشفيع جاء من أسرة يسارية، تحمل أسماء رمزية في تاريخ الحركة الشيوعية السودانية. وهذا لا يعني بأي حال أن اليسار مسؤول عن تطرفه، لكنّه يطرح سؤالًا صعبًا: كيف فشل تيار يقدّم نفسه بوصفه عقلانيًا، نقديًا، تنويريًا، في حماية أبنائه من الوقوع في فخ أكثر الأيديولوجيات ظلامية؟
الأمر لا يتعلّق بأسرة واحدة، بل بمأزق أوسع: اليسار السوداني ركّز طويلًا على معاركه السياسية ضد الإسلاميين في الداخل، لكنه لم يخض معركة فكرية جدية ضد التطرف الديني في المهجر، ولم يطوّر خطابًا قادرًا على مخاطبة الجيل الثاني من المهاجرين بلغتهم وأسئلتهم وهواجسهم.
ثم جاءت المفارقة الأكبر بعد الثورة السودانية، حين دخلت بعض قوى اليسار في اصطفافات سياسية مع المؤسسة العسكرية — وهي نفس المؤسسة التي شكّلت تاريخيًا الحاضنة الرئيسية للإسلاميين وأعادت تدويرهم مرارًا في السلطة. هذا التقاطع، حتى لو كان اضطراريًا أو تكتيكيًا، خلق انطباعًا خطيرًا: أن العداء للإسلاميين ليس مبدئيًا، بل انتقائي، وأن ما يُرفض اليوم قد يُقبل غدًا إذا تغيّرت موازين القوى.
وهذا ما يفتح الباب أمام اتهام اليسار — لا بالدعم المباشر للتطرف — بل بالتواطؤ السلبي: بالصمت، بالتجاهل، وبالاستعداد للتحالف مع من صنعوا الكارثة.
التطرف ليس مشكلة دينية فقط
الخلاصة الأساسية هي أن التطرف الجهادي ليس مشكلة دينية فقط، ولا مشكلة أمنية فقط، بل مشكلة سياسية وفكرية بنيوية. هو نتاج انهيار الدولة، وفشل النخب، وغياب مشروع أخلاقي جامع، واستبدال السياسة بالمظلومية، والنقد بالعنف.
ما لم تواجه المجتمعات السودانية — في الداخل والمهجر — هذه الشبكة بأكملها، لا مظاهرها فقط، فإن إنتاج «شفيع» جديد سيظل ممكنًا، مهما تغيّرت الأسماء والأماكن.
المعركة الحقيقية ليست ضد أشخاص، بل ضد منظومة تنتجهم.
وحتى تُحسم هذه المعركة، لا بد من شجاعة الاعتراف: بأن الإسلاميين دمّروا الدولة، وأن اليسار فشل في بناء بديل أخلاقي مقنع، وأن الصمت والتواطؤ والبراغماتية المفرطة ليست حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في صناعة المأساة.
وحده هذا الاعتراف يمكن أن يكون بداية الخروج من الدائرة المغلقة التي أعادت إنتاج العنف، مرة باسم الدين، ومرة باسم السياسة، ودائمًا على حساب الانسان.




