رأي

السلام المستحيل… كيف جعلت الحركة الإسلاموية تعدد المليشيات والانقسام المدني أكبر عقبة أمام إنهاء الحرب؟

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

كل حديث عن مبادرة جديدة لوقف الحرب في السودان يركز على طرفي القتال، بينما يتجاهل السؤال الحقيقي: هل أصبح إنهاء الحرب مستحيلاً لأن البيئة السياسية والعسكرية صُممت بحيث تجعل أي اتفاق غير قابل للتنفيذ؟

هذه هي القضية الأساسية. فالمشكلة ليست في نصوص المبادرات الدولية، ولا في الوسطاء، وإنما في الواقع الذي أنتجته الحرب؛ واقع يقوم على تعدد المليشيات، وتشابك المصالح، وانقسام القوى المدنية، وفقدان الثقة بين مكونات الثورة. ووفق هذه القراءة، فإن هذا الواقع لم يكن مجرد نتيجة عفوية للحرب، بل يخدم بصورة مباشرة أي طرف يرى أن استمرار الصراع يحافظ على نفوذه.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة أداء الحركة الإسلاموية خلال سنوات الحرب باعتباره عملاً سياسياً وإعلامياً هدفه تثبيت هذا الواقع أكثر من البحث عن تسوية تنهيه. فكلما ازداد عدد التشكيلات المسلحة، وتعاظمت امتيازاتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، أصبح الوصول إلى سلام شامل أكثر صعوبة، لأن كل تشكيل يتحول إلى صاحب مصلحة مستقلة قد يرى في إنهاء الحرب تهديداً لمكاسبه.

لهذا لا يحتاج أي طرف، وفق هذا التحليل، إلى إعلان رفضه للمبادرة الأمريكية بصورة مباشرة. فالعقبة قد تأتي من القوى المسلحة نفسها التي تشكلت أو توسعت خلال الحرب. فهل ستقبل هذه المجموعات بتسليم السلاح؟ وهل سترضى بالعودة إلى حياة سياسية طبيعية بعد أن أصبحت تمتلك نفوذاً وسلطة وموارد لم تكن تملكها قبل الحرب؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد مصير أي اتفاق أكثر من بيانات الترحيب أو الرفض.

وتزداد الصورة وضوحاً إذا نُظر إلى اتفاق جوبا للسلام. فالعودة إلى ذلك المسار تعني عملياً العودة إلى معادلة ما قبل الحرب، حيث كانت القوى المدنية جزءاً من المشهد الانتقالي، ولم تكن المليشيات تتمتع بالنفوذ الذي تملكه اليوم. ولذلك فإن أي تسوية تعيد الاعتبار لذلك الإطار ستصطدم، على الأرجح، بمصالح قوى ترى أن الحرب منحتها مكانة سياسية وعسكرية يصعب التخلي عنها.

وفي المقابل، لم يقتصر الأمر على إعادة تشكيل المشهد العسكري، بل شمل أيضاً إعادة تشكيل المجال السياسي والإعلامي. فخلال سنوات الحرب تصاعدت حملات التخوين، واتسعت الانقسامات داخل القوى المدنية، وتراجعت الثقة بين مكونات الثورة، وتحولت الخلافات إلى صراعات مفتوحة. ووفق هذا التحليل، فإن هذه النتيجة ليست عرضاً جانبياً للحرب، بل تخدم إضعاف أي جبهة مدنية قادرة على فرض مشروع سلام ديمقراطي.

فكلما انقسمت القوى المدنية إلى كتل متنافسة، أصبح من السهل استبعادها من صناعة القرار، وأصبح السلاح هو اللغة الوحيدة التي تفرض الوقائع على الأرض. وفي ظل غياب كتلة مدنية موحدة، يتحول أي اتفاق إلى تفاهم بين القوى المسلحة، لا إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة.

ولهذا يلفت الانتباه تأييد بعض المنصات الإعلامية المحسوبة على الحركة الإسلاموية للمقترح الأمريكي. ويمكن تفسير هذا الموقف بأنه محاولة لإظهار الحركة أمام المجتمع الدولي بوصفها مؤيدة للسلام، بينما يبقى الواقع الذي أفرزته الحرب كفيلاً بإفشال أي اتفاق دون الحاجة إلى إعلان رفضه. فحين تكون الأرض مليئة بمراكز القوة المتعددة، وحين تتضارب المصالح، يصبح إفشال الاتفاق نتيجة متوقعة حتى لو أعلن الجميع تأييده.

وبهذا المعنى، فإن أخطر ما أفرزته الحرب ليس الدمار وحده، وإنما إعادة هندسة المشهد السوداني بطريقة تجعل الحرب أكثر قابلية للاستمرار من السلام. تعدد المليشيات، والانقسام السياسي، والاستقطاب الإعلامي، وتآكل الثقة، كلها عوامل تجعل أي اتفاق هشاً منذ لحظة توقيعه.

لذلك فإن المعركة الحقيقية أمام القوى المدنية ليست فقط دعم أي مبادرة دولية، بل استعادة الثقة التي فُقدت بينها، وتجاوز الحسابات الحزبية والجهوية، وبناء جبهة سياسية موحدة قادرة على استعادة مشروع الدولة المدنية. فبدون ذلك ستظل المبادرات الدولية تصطدم بالواقع الذي صنعته سنوات الحرب.

إن كسر هذه الحلقة يبدأ بإدراك أن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط استمرار القتال، بل استمرار البيئة التي تجعل الحرب أكثر ربحاً من السلام. وإذا لم تستطع القوى المدنية إعادة بناء وحدتها واستعادة مشروع الثورة، فإن أي مبادرة، مهما كانت قوتها، ستبقى معرضة للفشل أمام واقع تتشابك فيه المصالح المسلحة والانقسامات السياسية.

ولهذا فإن الطريق إلى السلام لا يبدأ من توقيع الاتفاقات وحدها، بل من تفكيك البيئة السياسية والعسكرية التي تجعل تنفيذها مستحيلاً. عندها فقط يمكن أن يتحول السلام من وثيقة سياسية إلى واقع يعيشه السودانيون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!